أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
659
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أَنْتَ الرَّقِيبَ » يجوز في « أَنْتَ » أن تكون فصلا وأن تكون تأكيدا . وقرىء « الرقيب » بالرفع على أنه خبر ل « أَنْتَ » والجملة خبر « ل كان » ، كقوله : 1865 - . . . * وكنت عليها بالملا أنت أقدر « 1 » قد تقدّم اشتقاق « الرَّقِيبَ « 2 » » . و « عَلَيْهِمْ » متعلّق به . و « عَلى كُلِّ شَيْءٍ » متعلّق ب « شَهِيدٌ » قدّم للفاصلة . قوله تعالى : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : تقدّم نظيره ، وهي في قراءة الناس ومصاحفهم « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ، وفي مصحف ابن مسعود - وقرأ بها جماعة - : « الغفور الرحيم » ، وقد عبث بعض من لا يفهم كلام العرب بهذه الآية ، وقال : « إنما كان المناسب ما في مصحف ابن مسعود » وخفي عليه أنّ المعنى متعلق بالشرطين جميعا ، ويوضّح هذا ما قاله أبو بكر بن الأنباري ، فإنه نقل هذه القراءة عن بعض الطاغين ثم قال : « ومتى نقل إلى ما قاله هذا الطاعن ضعف معناه ، فإنه ينفرد « الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » * بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلّق ، وهو على ما أنزل اللّه وعلى ما أجمع على قراءته المسلمون معروف بالشرطين كليهما : أولهما وآخرهما ، إذ تلخيصه : إن تعذبهم فأنت العزيز الحكيم ، وإن تغفر لهم فأنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران ، فكأنّ « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » أليق بهذا المكان لعمومه وأنه يجمع الشرطين ، ولم يصلح « الغفور الرحيم » أن يحتمل من العموم ما احتمله « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . قلت : وكلامه فيه دقة ، وذلك أنه لا يريد بقوله « إنه معروف بالشرطين إلى آخره » أنه جواب لهما صناعة ، لأنّ ذلك فاسد من حيث الصناعة العربية ؛ فإنّ الأول قد أخذ جوابه وهو « فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » وهو جواب مطابق فإنّ العبد قابل ليصرّفه سيده كيف شاء ، وإنما يريد بذلك أنه متعلق بهما من جهة المعنى . وقد أكثر الناس في الكلام على هذه الآية بما لا يحتمله هذا الموضوع ، وإنما تعرّضت لبعضها لتعلّقه بالقراءة الشاذة والرسم الشاذ . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 119 إلى 120 ] قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 119 ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 120 ) قوله تعالى : يَوْمُ يَنْفَعُ : الجمهور على رفعه من غير تنوين ، ونافع على نصبه من غير تنوين ، ونقل الزمخشري عن الأعمش « يوما » بنصبه منونا ، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي : « يَوْمُ » برفعه منونا ، فهذه أربع قراءات . فأما قراءة الجمهور فواضحة على المبتدأ والخبر ، والجملة في محل نصب بالقول . وأمّا قراءة نافع ففيها أوجه : أحدها : أنّ « هذا » مبتدأ ، و « يَوْمُ » خبره كالقراءة الأولى ، وإنما بني الظرف لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربة ، وهذا مذهب الكوفيين ، واستدلّوا عليه بهذه القراءة ، وأمّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صدّرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض ، وعليه قول النابغة :
--> ( 1 ) عجز بيت لقيس بن ذريح وصدره : أبكي على لبنى وأنت تركتها * . . . - - انظر الكتاب ( 1 / 395 ) ، المقتضب ( 4 / 105 ) ، ابن يعيش ( 3 / 112 ) ، اللسان ( ملا ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 1 ) .