أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

647

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الجمهور : « فَتَكُونُ » بالتاء منقوطة فوق ، وأبو جعفر منقوطة تحت ، أي : فيكون المنفوخ فيه . والضمير في « فِيها » قال ابن عطية : « اضطربت فيه أقوال المفسرين » قال مكي : « هو في آل عمران « 1 » عائد على الطائر ، وفي المائدة عائد على الهيئة » . قال : « ويصحّ عكس هذا » . وقال غير مكي : « الضمير المذكور عائد على الطين » . قال ابن عطية : « ولا يصحّ عود هذا الضمير على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة ، لأنّ الطير أو الطائر الذي يجيء الطين على هيئته لا ينفخ فيه البتة ، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة به ، وكذلك الطين إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك » . وقال الزمخشري : « ولا يرجع الضمير إلى الهيئة المضاف إليها ليست من خلقه ولا من نفخه في شيء ، وكذلك الضمير في « فَتَكُونُ » . ثم قال ابن عطية : « والوجه عود ضمير المؤنث على ما تقتضيه الآية ضرورة أي : صورا وأشكالا أو أجساما ، وعود الضمير المذكّر على المخلوق المدلول عليه ب « تَخْلُقُ » . ثم قال : « ولك أن تعيده على ما تدلّ عليه الكاف من معنى المثل لأنّ المعنى : وإذ تخلق من الطين مثل هيئته ، ولك أن تعيده على الكاف نفسها فتكون اسما في غير الشعر » انتهى . وهذا القول هو عين ما قبله ، فإنّ الكاف أيضا بمعنى مثل ، وكونها اسما في غير الشعر لم يقل به غير الأخفش . واستشكل الناس قول مكي المتقدم كما قدّمت حكايته عن ابن عطية ، ويمكن أن يجاب عنه بأنّ قوله « عائد على الطائر » لا يريد به الطائر الذي أضيفت إليه الهيئة بل الطائر المصوّر ، والتقدير : وإذ تخلق من الطين طائرا صورة الطائر الحقيقي فتنفخ فيه فيكون طائرا حقيقيا ، وأنّ قوله « عائد على الهيئة » لا يريد الهيئة المجرورة بالكاف ، بل الموصوفة بالكاف ، والتقدير : وإذ تخلق من الطين هيئة مثل هيئة الطائر فتنفخ فيها أي : في الموصوفة بالكاف التي نسب خلقها إلى عيسى . وأمّا كونه كيف يعود ضمير مذكر على هيئة وضمير مؤنث على الطائر لأنّ قوله : « ويجوز عكس هذا » يؤدي إلى ذلك ؟ فجوابه أنه جاز بالتأويل ، لأنه تؤوّل الهيئة بالشكل ويؤوّل الطائر بالهيئة فاستقام ، وهو موضع تأول وتأنّ . وقال هنا « بِإِذْنِي » أربع مرات عقيب أربع جمل ، وفي آل عمران « بإذن اللّه » مرتين ؛ لأنّ هناك موضع إخبار فناسب الإيجاز ، وهنا مقام تذكير بالنعمة والامتنان فناسب الإسهاب ؛ وقوله « بِإِذْنِي » حال : إمّا من الفاعل أو من المفعول . إِلَّا سِحْرٌ قرأ الأخوان هنا وفي هود « 2 » وفي الصف « 3 » « إلا ساحر » اسم فاعل ، والباقون ) « إِلَّا سِحْرٌ » مصدرا في الجميع ، والرسم يحتمل القراءتين ، فأمّا قراءة الجماعة فتحتمل أن تكون الإشارة إلى ما جاء به من البينات أي : ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارق إلا سحر ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى عيسى ، جعلوه نفس السحر مبالغة نحو : « رجل عدل » ، أو على حذف مضاف أي : إلا ذو سحر . وخصّ مكي هذا الوجه بكون المراد بالمشار إليه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ويجوز أن تكون إشارة إلى النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على تقدير حذف مضاف أي : إن هذا إلا ذو سحر » . قلت : وهذا جائز ، والمراد بالمشار إليه عيسى عليه السّلام ، وكيف يكون المراد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لم يكن في زمن عيسى والحواريين حتى يشيروا إليه إلا بتأويل بعيد ؟ . وأمّا قراءة الأخوين فتحتمل أن يكون « ساحر » اسم فاعل والمشار إليه « عِيسَى » ، ويحتمل أن يكون المراد به المصدر كقولهم : عائذا بك وعائذا باللّه من شرّها ، والمشار إليه ما جاء به عيسى من البيّنات والإنجيل ، ذكر ذلك مكي ، وتبعه أبو البقاء ، إلا أنّ الواحدي منع من ذلك فقال - بعد أن

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 49 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 7 ) . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 6 ) .