أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

636

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الجمل نكرات ، وهذه المثل التي أوردتها عكس ما نحن فيه ، فإنها تؤوّل فيها المعرفة بالنكرة ، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفة ، إلّا أنّ الجامع بينهما التخالف ، ويجوز أن يكون ما نحن فيه من هذه المثل باعتبار أنّ « الأوليين » لمّا لم يقصد بهما شخصان معينان قربا من النكرة فوقعا صفة لها مع تخصّصها هي ، فصار في ذلك مسوّغان : قرب النكرة من المعرفة بالتخصيص ، وقرب المعرفة من النكرة بالإبهام ، ويدلّ لما قلته ما قال أبو البقاء : « والخامس أن يكون صفة ل « آخران » لأنه وإن كان نكرة فقد وصف ، والأوليان لم يقصد بهما قصد اثنين بأعيانهما » . السابع : أنه مرفوع على ما لم يسمّ فاعله ب « اسْتَحَقَّ » ، إلّا أنّ كلّ من أعربه كذا قدّر قبله مضافا محذوفا . واختلفت تقديرات المعربين ، فقال مكي : « تقديره : استحقّ عليهم إثم الأولين » وكذا أبو البقاء وقد سبقهما إلى هذا التقدير ابن جرير الطبري ، وقدّره الزمخشري فقال : « من الذين استحقّ عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطّلاعهم على حقيقة الحال » ، وممّن ذهب إلى ارتفاع « الْأَوْلَيانِ » ب « اسْتَحَقَّ » أبو علي الفارسي ، ثم منعه ، قال : « لأنّ المستحقّ إنما يكون الوصية أو شيئا منها ، وأمّا الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقّا فيسند استحقّ إليهما » قلت : إنما منع أبو عليّ ذلك على ظاهر اللفظ فإنّ الأوليين لم يستحقّهما أحد كما ذكر ، ولكن يجوز أن يسند « اسْتَحَقَّ » إليهما بتأويل حذف المضاف المتقدم . وهذا الذي منعه الفارسي ظاهرا هو الذي حمل الناس على إضمار ذلك المضاف ، وتقدير الزمخشري ب « انتداب الأوليين » أحسن من تقدير غيره ، فإنّ المعنى يساعده ، وأمّا إضمار « الإثم » فلا يظهر أصلا إلا بتأويل بعيد . وأجاز ابن عطية أن يرتفع « الْأَوْلَيانِ » ب اسْتَحَقَّ » أيضا ، ولكن ظاهر عبارته أنه لم يقدّر مضافا فإنه استشعر باستشكال الفارسي المتقدم فاحتال في الجواب عنه وهذا نصّه ، قال ما ملخصه : إنه « حمل « اسْتَحَقَّ » هنا على الاستعارة فإنه ليس استحقاقا حقيقة لقوله : « اسْتَحَقَّا إِثْماً » ، وإنما معناه أنّهم غلبوا على المال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو أهل دينه فجعل تسوّرهم عليه استحقاقا مجازا ، والمعنى : من الجماعة التي غابت وكان من حقّها أن تسوّرهم عليه استحقاقا مجازا ، والمعنى : من الجماعة التي غابت وكان من حقّها أن تحضر وليّها ، فلمّا غابت وانفرد هذا الموصي استحقّت هذه الحال ، وهذان الشاهدان من غير أهل الدين والولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة ، فبني الفعل للمفعول على هذا المعنى إيجازا ، ويقوّي هذا الفرض تعدّي الفعل ب « على » لمّا كان باقتدار وحمل هيّأته الحال ، ولا يقال : استحقّ منه أو فيه إلا في الاستحقاق المستعار » انتهى ، فقد أسند « اسْتَحَقَّ » إلى « الْأَوْلَيانِ » من غير تقدير مضاف متأوّلا له بما ذكر ، واحتملت طول عبارته لتتّضح . واعلم أن مرفوع « اسْتَحَقَّ » في الأوجه المتقدّمة - أعني غير هذا الوجه وهو إسناده إلى « الْأَوْلَيانِ » - ضمير يعود على ما تقدّم لفظا أو سياقا ، واختلفت عباراتهم فيه ، فقال الفارسي والحوفي وأبو البقاء والزمخشري : إنه ضمير الإثم ، والإثم قد تقدّم في قوله : « اسْتَحَقَّا إِثْماً » . وقال الفارسي والحوفي أيضا : « استحق هو الإيصاء أو الوصية » قلت : إضمار الوصية مشكل ؛ لأنه إذا أسند الفعل إلى ضمير المؤنث مطلقا وجبت التاء إلا في ضرورة ، ويونس لا يخصّه بها ، ولا جائز أن يقال أضمرا لفظ الوصية لأنّ ذلك حذف ، والفاعل عندهما لا يحذف . وقال النحاس مستحسنا لإضمار الإيصاء : « وهذا أحسن ما قيل فيه ؛ لأنه لم يجعل حرف بدلا من حرف » يعني أنه لا يقول إنّ « على » بمعنى « في » ، ولا بمعنى « من » كما قيل بهما ، وسيأتي ذلك إن شاء اللّه تعالى . وقد جمع الزمخشري غالب ما قلته وحكيته من الإعراب والمعنى بأوجز عبارة فقال : « ف « آخران » أي :