أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

618

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تخذف إحدى الياءين . قال - رحمه اللّه - : « وحسّن الحذف في الجمع حذفها في الواحد ، وإنما حذفت من الواحد تخفيفا لكثرة الاستعمال إذ « شيء » يقع على كل مسمّى من عرض أو جوهر أو جسم فلم بنصرف لهمزة التأنيث في الجمع . قال : « وهذا قول حسن جار في الجمع وترك الصرف على القياس ، لولا أنّ التصغير يعترضه كما اعترض الأخفش » . قلت : قوله « هذا قول حسن » فيه نظر لكثرة ما يرد عليه وهو ظاهر ممّا تقدم ، ولمّا ذكر الشيخ هذا المذهب قال في تصريفه : « ثم حذفت الهمزة الأولى وفتحت ياء المد لكون ما بعدها ألفا » قال : « وزنها في هذا القول إلى أفياء ، وفي القول قبله إلى أفلاء » كذا رأيته « أفياء » بالياء ، وهذا غلط فاحش ، ثم إني جوّزت أن يكون هذا غلطا عليه من الكاتب ، وإنما كانت أفعاء بالعين فصحّفها الكاتب إلى أفياء . وقد ردّ الناس هذا القول : بأنّ أصل شيء : شئ بزنة صديق دعوى من غير دليل ، وبأنه كان ينبغي ألّا يصغّر على لفظه ، بل يردّ إلى مفرده كما تقدم تحريره . وقد تلخص القول في أشياء : أنها هل هي اسم جمع وأصلها شيئاء كطرفاء ، ثم قلبت لامها قبل فائها فصار وزنها لفعاء أو جمع صريح ؟ وإذا قيل بأنها جمع صريح فهل أصلها أفعلاء ثم تحذف ، فتصير إلى أفعاء أو أفلاء ، أو أنّ وزنها أفعال كأبيات . ولولا خوف الخروج عن المقصود لذكرت المسألة بأطرافها مستوفاة ، ولكنّ في هذا كفاية لائقة بهذا الموضوع . قوله تعالى : إِنْ تُبْدَ شرط ، وجوابه « تَسُؤْكُمْ » ، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة ل « أَشْياءَ » ، وكذا الشرطية المعطوفة أيضا . وقرأ ابن عباس : « إن تبد لكم تسؤكم » ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرف المضارعة تاء مثناة من فوق ، والفاعل ضمير « أَشْياءَ » . وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد بن عطية : « إن يبد » بفتح الياء من تحت وضم الدال ، « يسؤكم » بفتح الياء من تحت ، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى ، أي : إن يبد لكم جواب سؤالكم أو سؤلكم يسؤكم ، ولا جائز أن تعود على « أَشْياءَ » لأنه جار مجرى المؤنث المجازي ، ومتى أسند فعل إلى ضمير مؤنث مطلقا وجب لحاق العلامة على الصحيح ، ولا يلتفت لضرورة الشعر ، ونقل غيره عن الشعبي أنه قرأ : « يبد لكم يسؤكم » بالياء من تحت فيهما إلا أنه ضمّ الياء الأولى وفتح الثانية ، والمعنى إن يبد - أي يظهر - السؤال عنها يسؤكم ذلك السؤال أي جوابه ، أو هو لأنه سبب في ذلك والمبديه هو اللّه تعالى . والضمير في « عَنْها » يحتمل أن يعود على نوع الأشياء المنهيّ عنها لا عليها أنفسها ، قاله ابن عطية ، ونقله الواحدي عن صاحب « النظم » ، ونظّره بقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ يعني آدم ، « ثم جعلناه » قال « يعني ابن آدم » فعاد الضمير على ما دل عليه الأول ، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها ، قاله الزمخشري بمعناه . قوله : حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ في هذا الظرف احتمالان : أحدهما : وهو الذي يظهر ، ولم يقل الزمخشري غيره - : أنه منصوب ب « تَسْئَلُوا » ، قال الزمخشري : « وإن تسألوا عنها : عن هذه التكاليف الصعبة ، حين ينزّل القرآن : في زمان الوحي ، وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه تبد لكم تلك التكاليف التي تسؤكم وتؤمروا بتحمّلها ، فتعرّضوا أنفسكم لغضب اللّه لتفريطكم فيها » ومن هنا قلت لك : إنّ الضمير في « عَنْها » عائد على الأشياء الأول لا على نوعها . والثاني : أنّ الظرف منصوب ب « تُبْدَ لَكُمْ » أي : تظهر لكم تلك الأشياء حين نزول القرآن . قال بعضهم : « في الكلام تقديم وتأخير ، لأنّ التقدير : عن أشياء إن تسألوا عنها تبد لكم حين نزول القرآن ، وإن تبد لكم تسؤكم »