أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
609
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالإضافة ، وكذا خصّص مكي الوصف بقراءة إضافة الجزاء إلى « مثل » فإنه قال : « ومن النّعم في قراءة من أضاف الجزاء إلى « مثل » صفة لجزاء ، ويحسن أن تتعلّق « من » بالمصدر فلا تكون صفة ، وإنما المصدر معدّى إلى « من النعم » ، وإذا جعلته صفة ف « من » متعلقة بالخبر المحذوف وهو « فعليه » . وفي هذا الكلام نظر من وجهين : أحدهما : قد تقدّم وهو التخصيص بقراءة الإضافة . والثاني : أنه حين جعل « من النّعم » صفة علّقها بالخبر المحذوف لما تضمّنه من الاستقرار ، وليس كذلك ؛ لأنّ الجارّ إذا وقع صفة تعلّق بمحذوف ، ذلك المحذوف هو الوصف في الحقيقة ، وهذا الذي جعله متعلّقا لهذه الصفة ليس صفة للموصوف في الحقيقة بل هو خبر عنه ، ألا ترى أنك لو قلت : « عندي رجل من بني تميم » أنّ « من بني » متعلّق بوصف محذوف في الحقيقة لا بقولك « عندي » ، ويمكن أن يقال : - وهو بعيد جدا - إنه أراد التعلّق المعنوي ، وذلك أنّ العامل في الموصوف عامل في صفته ، و « عليه » عامل في « جزاء » فهو عامل في صفته ، فالتعلق من هذه الحيثية ، ولكن إنما يتأتّى ذلك حيث جعلنا الخبر عاملا في المبتدأ ، أو قلنا : إنّ الجارّ يرفع الفاعل ولو لم يعتمد ، وإنما أذكر هذه التوجيهات لأنّ القائلين بذلك ممّن لا يلغى قولهم بالكلية . والألف في « ذوا » علامة الرفع لأنه مثنّى ، وقد تقدّم الكلام في اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها « 1 » وقرأ الجمهور : « ذوا » بالألف ، وقرأ محمد بن جعفر « 2 » الصادق : « ذو » بلفظ الإفراد قالوا : « ولا يريد بذلك الوحدة بل يريد : يحكم به من هو من أهل العدل . وقال الزمخشري : « وقيل : أراد الإمام » فعلى هذا تكون الوحدة مقصودة . و « منكم » في محلّ رفع صفة ل « ذوا » أي : إنهما يكونان من جنسكم في الدين ، ولا يجوز أن تكون صفة ل « عدل » لأنه مصدر قاله أبو البقاء ، يعني أن المصدر ليس من جنسهم فكيف يوصف بكونه منهم ؟ . قوله : هَدْياً فيه ستة أوجه : أظهرها : أنه حال من الضمير في « به » قال الزجاج : « هو منصوب على الحال ، المعنى : يحكم به مقدرا أن يهدى » يعني أنه حال مقدرة لا مقارنة ، وكذا قال الفارسي كقولك : « معه صقر صائدا به غدا » أي مقدّرا الصيد . الثاني : أنه حال من « جزاء » سواء قرىء مرفوعا أم منصوبا ، منونا أم مضافا . وقال الزمخشري : « هديا » حال من « جزاء » فيمن وصفه بمثل ، لأنّ الصفة خصّصته فقرب من المعرفة ، وكذا خصّصه الشيخ « 3 » ، وهذا غير واضح ، بل الحالية جائزة مطلقا كما تقدّم . الثالث : أنه منصوب على المصدر أي : يهديه هديا ، ذكره مكي وأبو البقاء . الرابع : أنه منصوب على التمييز ، قاله أبو البقاء ومكي ، إلا أنّ مكيا قال : « على البيان » ، وهو التمييز في المعنى ، وكأنهما ظنّا أنه تمييز لما أبهم في المثلية ، إذ ليس هنا شيء يصلح للتمييز غيرها . وفيه نظر من حيث إنّ التمييز إنما يرفع الإبهام عن الذوات لا عن الصفات ، وهذا كما رأيت إنما رفع إبهاما عن صفة ، لأن الهدى صفة في المعنى إذا المراد به مهدى .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 177 ) من سورة البقرة . ( 2 ) محمد بن جعفر الصادق بن الباقر بن علي كانت إقامته بمكة . توفي سنة ( 203 ) ه انظر الأعلام ( 6 / 69 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 20 ) .