أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

603

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« إِطْعامُ عَشَرَةِ » من جواز تقديره بفعل مبني للفاعل أو للمفعول وما قيل في ذلك . وقوله : « فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ » كقوله في النساء : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ « 1 » وقد تقدّم ذلك محرّرا . قوله : إِذا حَلَفْتُمْ قال أبو البقاء : « منصوب على الظرف وناصبه « كَفَّارَةُ » أي : ذلك الإطعام ، أو ما عطف عليه يكفّر عنكم حنث اليمين وقت حلفكم » . وقال الزمخشري : « ذلك المذكور كفارة ، ولو قيل : « تلك كفارة » لكان صحيحا بمعنى تلك الأشياء ، أو التأنيث للكفارة ، والمعنى : « إذا حلفتم حنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن الكفارة إنما تجب بالحنث بالحلف لا بنفس الحلف » . ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشري وهو تقدير الحنث ، ولذلك عيب على أبي البقاء قوله : « العامل في « إِذا » كفارة أيمانكم ، لأن المعنى : ذلك يكفّر أيمانكم وقت حلفكم » فقيل له : الكفارة ليست واقعة في وقت الحلف فكيف يعمل في الظرف ما لا يقع فيه ؟ وظاهر الآية أنّ « إِذا » . متمحّضة الظرفية ، وليس فيها معنى الشرط ، وهو غير الغالب فيها ، وقد يجوز أن تكون شرطا ، ويكون جوابها محذوفا على قاعدة البصريين يدلّ عليه ما تقدّم ، أو هو نفس المتقدم عند أبي زيد والكوفيين ، والتقدير : إذا حلفتم وحنثتم فذلك كفارة إثم أيمانكم ، كقولهم : « أنت ظالم إن فعلت » . والكاف في قوله : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ » نعت لمصدر محذوف عند جماهير المعربين ، أي : يبيّن اللّه آياته تبيينا مثل ذلك التبيين ، وعند سيبويه « 2 » أنه حال من ضمير ذلك المصدر على ما عرف غير مرة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 94 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) قوله تعالى : رِجْسٌ : خبر عن هذه الأشياء المتقدمة فيقال : « كيف أخبر عن جمع بمفرد ؟ فأجاب الزمخشري بأنه على حذف مضاف أي : إنما شأن الخمر . وكذا وكذا ، ذكر ذلك عند تعرّضه للضمير في « فَاجْتَنِبُوهُ » كما سيأتي ، وكذا قدّره أبو البقاء فقال : لأنّ التقدير : إنما عمل هذه الأشياء » . قال الشيخ « 3 » بعد حكايته كلام الزمخشري : « ولا حاجة إلى هذا ، بل الحكم على هذه الأربعة أنفسها أنّها رجس أبلغ من تقدير هذا المضاف كقوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ « 4 » . وهو كلام حسن ، وأجاب أبو البقاء أيضا

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 92 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 116 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 14 ) . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية ( 28 ) .