أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

589

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الموصوفة على حسب ما تقدّم ، والتقدير : قدّمته سخط اللّه ، كقولك : « الذي رأيت زيدا أخوك » وفي هذا بحث في موضعه . السادس : أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض ، إذ التقدير : لأن سخط ، وهذا جار على مذهب سيبويه « 1 » والفراء لأنهما يزعمان أنّ محلّ « أَنْ » بعد حذف الخافض في محلّ نصب . السابع : أنه في محلّ جر بذلك الخافض المقدّر ، وهذا جار على مذهب الخليل والكسائي لأنهما يزعمان أنّها في محل جر ، وقد تقدّم تحقيق ذلك غير مرة ، وعلى هذا فالمخصوص بالذم محذوف أي : لبئسما قدّمت لهم أنفسهم عملهم أو صنعهم ، ولام العلة المقدرة معلّقة إمّا بجملة الذمّ أي : سبب ذمّهم سخط اللّه عليهم أو بمحذوف بعده ، أي : لأن سخط اللّه عليهم كلن كيت وكيت . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 81 إلى 82 ] وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) قوله تعالى : وَلَوْ كانُوا : الظاهر أنّ اسم « كان » وفاعل « اتَّخَذُوهُمْ » عائد على « كَثِيراً » من قوله : « ترى كثيرا منهم » ، والضمير المنصوب في « اتَّخَذُوهُمْ » يعود على « الَّذِينَ كَفَرُوا » في قوله : « يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » ، وأجاز القفال أن يكون اسم « كان » يعود على « الَّذِينَ كَفَرُوا » وكذلك الضمير المنصوب في « اتَّخَذُوهُمْ » ، والضمير المرفوع في « اتَّخَذُوهُمْ » يعود على اليهود ، والمراد بالنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتقدير : ولو كان الكافرون المتولّون مؤمنين بمحمد والقرآن ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء ، والأول أولى لأن الحديث عن كثير لا عن المتولّين ، وجاء جواب « لو » هنا على الأفصح وهو عدم دخول اللام عليه لكونه منفيا ، ومثله قول الآخر : 1797 - لو أنّ بالعلم تعطى ما تعيش به * لما ظفرت من الدّنيّا بثفروق « 2 » و « تَرى » يجوز أن تكون من رؤية البصر ، ويكون الكثير المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن تكون العلمية ، والكثير هذا أسلافهم ، فمعنى « تَرى » تعلم أخبارهم وقصصهم بإخبارنا إياك ، فعلى الأول يكون قوله « يَتَوَلَّوْنَ » في محلّ نصب على الحال ، وعلى الثاني يكون في محلّ نصب على المفعول الثاني . وقوله : وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ هذا الاستدراك واضح بما تقدّم . وقوله : « كَثِيراً » هو من إقامة الظاهر مقام المضمر لأنه عبارة عن « كَثِيراً مِنْهُمْ » المتقدّم ، فكأنه قيل : ترى كثيرا منهم ولكنّ ذلك الكثير ، ولا يريد : ولكنّ كثيرا من ذلك فاسقون .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 17 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 542 ) .