أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
587
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وهما بمعنى واحد . وقوله : « عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى » المراد باللسان الجارحة لا اللغة ، كذا قال الشيخ « 1 » ، يعني أنّ الناطق بلعن هؤلاء لسان هذين النبيين ، وجاء قوله « عَلى لِسانِ » بالإفراد دون التثنية والجمع فلم يقل : « على لساني » ولا « على ألسنة » لقاعدة كلية ، وهي : أن كلّ جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا إلى كليهما من غير تفريق جاز فيهما ثلاثة أوجه ، لفظ الجمع - وهو المختار - ويليه التثنية عند بعضهم ، وعند بعضهم الإفراد مقدم على التثنية ، فيقال : « قطعت رؤوس الكبشين » ، وإن شئت : رأس الكبشين ، ومنه : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما « 2 » ، فقولي « جزأين » تحرّز من شيئين ليسا بجزأين نحو « درهميكما » وقد جاء : « من بيوتكما وعمائمكما وأسيافكما » لأمن اللّبس ، وبقولي : « مفردين » من نحو « العينين واليدين » فأمّا قوله تعالى : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 3 » ففهم بالإجماع ، وبقولي : « من غير تفريق » تحرّز من نحو : قطعت رأس الكبشين : « السمين والكبش الهزيل » ، ومنه الآية فلا يجوز إلا الإفراد . وقال بعضهم : « هو مختار » أي : فيجوز غيره . وقد مضى تحقيق هذه القاعدة في سورة المائدة « 4 » بكلام طويل فعليك بالالتفات إليه . وفي النفس من كون المراد باللسان الجارحة شيء ، ويؤيد ذلك ما قاله الزمخشري فإنه قال : « نزّل اللّه لعنهم في الزبور على لسان داود ، وفي الإنجيل على لسان عيسى » وقوة هذا تأبى كونه الجارحة ، ثم إني رأيت الواحدي ذكر عن المفسرين قولين ، ورجّح ما قلته قال - رحمه اللّه - : « وقال ابن عباس : يريد في الزبور وفي الإنجيل ، ومعنى هذا أنّ اللّه تعالى لعن في الزبور من يكفر من بني إسرائيل وكذلك في الإنجيل ، وقيل : على لسان داود وعيسى ، لأنّ الزبور لسان داود والإنجيل لسان عيسى » فهذا نصّ في أن المراد باللسان غير الجارحة ، ثم قال : « وقال الزجاج » : « وجائز أن يكون داود وعيسى علما أنّ محمدا نبيّ مبعوث ، وأنهما لعنا من يكفر به » والقول هو الأول ، فتجويز الزجاج لذلك ظاهر أنه يراد باللسان الجارحة ولكن ليس قولا للمفسرين . و « عَلى لِسانِ » متعلّق ب « لُعِنَ » قال أبو البقاء : « كما يقال : جاء زيد على فرس » وفيه نظر إذ الظاهر أنه حال . وقوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا قد تقدّم نظيره « 5 » . قوله : « وَكانُوا يَعْتَدُونَ » في هذه الجملة الناقصة وجهان ، أظهرهما : أن تكون عطفا على صلة « ما » وهو « عَصَوْا » أي : ذلك بسبب عصيانهم وكونهم معتدين . والثاني : أنها استئنافية أي : أخبر اللّه تعالى عنهم بذلك . قال الشيخ « 6 » : ويقوّي هذا ما جاء بعده كالشرح له ، وهو قوله : « كانُوا لا يَتَناهَوْنَ » . قوله تعالى : عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ : متعلّق ب « يَتَناهَوْنَ » و « فَعَلُوهُ » صفة ل « مُنكَرٍ » . قال الزمخشري : ما معنى وصف المنكر بفعلوه ، ولا يكون النهي بعد الفعل ؟ قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله ، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيّأ ، ويجوز أن يراد : لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه ، بل يصرّون عليه ويداومون ، يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 80 ] تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 )
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 540 ) . ( 2 ) سورة التحريم ، الآية ( 4 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 38 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 38 ) . ( 5 ) تفسير سورة البقرة ، الآية ( 61 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 540 ) .