أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

582

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« جرت مجرى زكم الرجل وأزكمه اللّه ، وحمّ وأحمّه اللّه ، ولا يقال : زكمه اللّه ولا حمّه ، كما لا يقال : عميته ولا صممته ، وهي أفعال جاءت مبنية للمفعول الذي لم يسمّ فاعله وهي متعدّية ثلاثية ، فإذا بنيت للفاعل صارت قاصرة ، فإذا أردت بناءها للفاعل متعدية أدخلت همزة النقل ، وهي نوع غريب في الأفعال » . انتهى . فقوله : « كما لا يقال عميته ولا صممته » يقتضي أن الثلاثي منها لا يتعدّى ، والزمخشري قد قال على تقدير : « عماهم اللّه وصمّهم » فاستعمل ثلاثيّة متعديا ، فإن كان ما قاله الشيخ صحيحا فينبغي أن يكون كلام أبي القاسم فاسدا أو بالعكس . وقرأ ابن أبي عبلة « كثيرا » نصبا على أنه نعت لمصدر محذوف ، وتقدم غير مرة أنه عند سيبويه حال . وقال مكي : « ولو نصبت « كثيرا » في الكلام لجاز أن تجعله نعتا لمصدر محذوف ، أي : عمى وصمما كثيرا » قلت : كأنه لم يطّلع عليها قراءة ، أو لم تصحّ عنده لشذوذها . وقوله : فَعَمُوا عطفه بالفاء وقوله : « ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا » عطفه ب « ثُمَّ » ، وهو معنى حسن ، وذلك أنهم عقيب الحسبان حصل لهم العمى والصّمم من غير تراخ ، وأسند الفعلين إليهم ، بخلاف قوله : فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ « 1 » لأنّ هذا فيمن لم يسبق له هداية ، وأسند الفعل الحسن لنفسه في قوله : ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وعطف قوله : « ثُمَّ عَمُوا » بحرف التراخي دلالة على أنهم تمادوا في الضلال إلى وقت التوبة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 73 إلى 75 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) قوله تعالى : ثالِثُ ثَلاثَةٍ : معناه أحد الثلاثة ، ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده ، لا تقول : ثالث ثلاثة ولا رابع أربعة ، قالوا : لأنه اسم فاعل ويعمل عمل فعله ، وهنا لا يقع موقعه فعل إذ لا يقال : ربّعت الأربعة ولا ثلّثت الثلاثة ، وأيضا فإنه أحد الثلاثة فيلزم أن يعمل في نفسه ، وأجاز النصب بمثل هذا ثعلب ، وردّه عليه الجمهور بما ذكرته لك ، أمّا إذا كان من غير لفظ ما بعده فإنه يجوز فيه الوجهان : النصب والإضافة نحو : رابع ثلاثة ، وإن شئت : ثلاثة . واعلم أنه يجوز أن يشتقّ من واحد إلى عشرة صيغة اسم فاعل نحو : « واحِدٌ » ، ويجوز قلبه فيقال : حادي وثاني وثالث إلى عاشر ، وحينئذ يجوز أن يستعمل مفردا فيقال : ثالث ورابع ، كما يقال : ثلاثة وأربعة من غير ذكر مفسر ، وأن يستعمل استعمال أسماء الفاعلين إن وقع بعده مغايره لفظا ، ولا يكون إلا ما دونه برتبة واحدة نحو عاشر تسعة ، وتاسع ثمانية ، فلا يجامع ما دونه برتبتين نحو : عاشر ثمانية ولا ثامن أربعة ، ولا يجامع ما فوقه مطلقا فلا يقال : تاسع عشرة ولا رابع ستة ، إذا تقرر ذلك فيعطى حكم اسم الفاعل فلا يعمل إلا بشروطه ، وأمّا إذا جامع موافقا

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 534 ) .