أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

580

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ب « أن » ، ولذلك أجمع على النصب في قوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا « 1 » وأمّا قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ « 2 » فالجمهور على الرفع ، لأن الرؤية تقع على العلم . والحاصل أنه متى وقعت بعد علم وجب أن تكون المخففة ، وءذا وقعت بعد ما ليس بعلم ولا شك وجب أن تكون الناصبة ، وإن وقعت بعد فعل يحتمل اليقين والشك جاز فيها وجهان باعتبارين : إن جعلناه يقينا جعلناها المخففة ورفعنا ما بعدها ، وإن جعلناه شكّا جعلناها الناصبة ونصبنا ما بعدها ، والآية الكريمة من هذا الباب ، وكذلك قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ وقوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ، لكن لم يقرأ في الأولى إلا بالرفع ، ولا في الثانية إلّا بالنصب ، لأن القراءة سنة متبعة . وهذا تحرير العبارة فيها ، وإنما قلت ذلك لأن بعضهم يقول : يجوز فيها بعد أفعال الشك وجهان فيوهم هذا أنه يجوز فيها أن تكون المخففة والفعل قبلها باق على معناه من الشك ، لكن يريد ما ذكرته لك من الصلاحية اللفظية بالاعتبارين المتقدمين ، ولهذا قال الأستاذ الزمخشري : « فإن قلت : كيف دخل فعل الحسبان على « أن » التي هي للتحقيق ؟ قلت : نزّل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم » والسبب المقتضي لوقوع المخففة بعد اليقين ، والناصبة بعد غيره ، وجواز الوجهين فيما تردّد : ما ذكروه وهو « أن » المخففة تدلّ على ثبات الأمر واستقراره لأنها للتوكيد كالمشددة ، والعلم وبابه كذلك فناسب أن توقعها بعد اليقين للملاءمة بينهما ، ويدلّ على ذلك وقوعها مشددة بعد اليقين كقوله تعالى : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ « 3 » أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 4 » أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » إلى غير ذلك ، والنوع الذي لا يدلّ على ثبات واستقرار تقع بعده الناصبة كقوله تعالى : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي « 6 » نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ « 7 » فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما « 8 » أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا « 9 » إلى غير ذلك ، والنوع المحتمل للأمرين تقع بعده تارة المخففة وتارة الناصبة كما تقدم من الاعتبارين ، وعلى كلا التقديرين أعني كونها المخففة أو الناصبة فهي سادّة مسدّ المفعولين عند جمهور البصريين ، ومسدّ الأول والثاني محذوف عند أبي الحسن ، أي : حسبوا عدم الفتنة كائنا أو حاصلا . وحكى بعض النحويين أنه ينبغي لمن رفع أن يفصل « أن » من « لا » في الكتابة ؛ لأن الهاء المضمرة حائلة في المعنى ، ومن نصب لم يفصل لعدم الحائل بينهما . قال أبو عبد اللّه : « هذا ربما ساغ في غير المصحف ، أمّا المصحف فلم يرسم إلا على الاتصال » انتهى . قلت : « وفي هذه العبارة تجوّز إذ لفظ الاتصال يشعر بأن تكتب « أنلا » فتوصل « أن » ب « لا » في الخط ، فينبغي أن يقال : لا تثبت لها صورة ، أو تثبت لها صورة منفصلة . قوله تعالى : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ في هذا التركيب خمسة أوجه : أحدها : أنّ الواو علامة جمع الفاعل ، كما يلحق الفعل تاء التأنيث ليدلّ على تأنيث الفاعل ، ك « قامت هند » ، وهذه اللغة جارية في المثنى وجمع الإناث أيضا فيقال : « قاما أخواك ، وقمن أخواتك » كقوله : 1795 - . . . * وقد أسلماه مبعد وحميم « 10 »

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية ( 2 ) . ( 2 ) سورة طه ، الآية ( 89 ) . ( 3 ) سورة النور ، الآية ( 25 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 106 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 107 ) . ( 6 ) سورة الشعراء ، الآية ( 82 ) . ( 7 ) سورة المائدة ، الآية ( 52 ) . ( 8 ) سورة الكهف ، الآية ( 80 ) . ( 9 ) سورة المجادلة ، الآية ( 13 ) . ( 10 ) عجز بيت لعبد اللّه بن قيس الرقيات من رثاء مصعب بن الزبير وصدره : تولى قتالي المارقين بنفسه -