أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

576

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1787 - دعاني من نجد فإن سنينه * لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا « 1 » فأثبت النون في الإضافة ، فلمّا جاءت هذه القراءة ووجّهت بأن علامة النصب فتحة النون ، وكان المشهور بهذا القول إنما هو الفارسي ، سأل أبو البقاء هذه المسألة . وأجاب بأنّ غيره يجيزه حتى مع الواو ، وجعل أنّ القياس لا يأباه . قلت : القياس يأباه ، والفرق بينه حال كونه بالياء وبين كونه بالواو ظاهر قد حقّقته في « شرح التسهيل » ، نعم إذا سمّي بجمع المذكر السالم جاز فيه خمسة أوجه ، أحدها : أن يعرب بالحركات مع الواو ، ويصبر نظير « الّذون » فيقال : « جاء الزيدون ورأيت الزيدون ومررت بالزيدون » ك « جاء الذون ورأيت الذون ومررت بالذون » ، هذا إذا سمّي به ، أمّا ما دام جمعا فلا أحفظ فيه ما ذكره أبو البقاء ، ومن أثبت حجة على من نفى لا سيما مع تقدّمه في العلم والزمان . التاسع : قال مكي : « وإنما رفع « الصَّابِئُونَ » لأن « إِنَّ » لم يظهر لها عمل في « الَّذِينَ » فبقي المعطوف على رفعه الأصلي قبل دخول « إِنَّ » على الجملة » . قلت : هذا هو بعينه مذهب الفراء ، أعني أنه يجيز العطف على محل اسم « إِنَّ » إذا لم يظهر فيه إعراب ، إلا أن عبارة مكي لا توافق هذا ظاهرا . وقرأ أبي بن كعب وعثمان بن عفان وعائشة والجحدري وسعيد بن جبير وجماعة : « والصابئين » بالياء ، ونقلها صاحب « الكشاف » عن ابن كثير ، وهذا غير مشهور عنه ، وهذه القراءة واضحة التخريج عطفا على لفظ اسم « إنّ » ، وإن كان فيها مخالفة لسواد المصحف فهي مخالفة يسيرة ، ولها نظائر كقراءة قنبل عن ابن كثير : « سراط » « 2 » وبابه بالسين ، وكقراءة حمزة إياه في رواية بالزاي ، وهو مرسوم بالصاد في سائر المصاحف ، ونحو قراءة الجميع : « إيلافهم » « 3 » بالياء ، والرسم بدونها في الجميع . وقرأ الحسن البصري والزهري : « والصابيون » بكسر الباء بعدها ياء خالصة ، وهو تخفيف للهمزة كقراءة من قرأ : « يستهزيون » « 4 » بخلوص الياء ، وقد تقدم قراءة نافع في البقرة « 5 » . وأما « النَّصارى » فهو منصوب عطفا على لفظ اسم « إِنَّ » ولا حاجة إلى ادّعاء كونه مرفوعا على ما رفع به « الصَّابِئُونَ » لكلفة ذلك . قوله تعالى : مَنْ آمَنَ يجوز في « مَنْ » وجهان : أحدهما : أنها شرطية ، وقوله : « فَلا خَوْفٌ » إلى آخره جواب الشرط ، وعلى هذا ف « آمَنَ » في محل جزم بالشرط ، و « فَلا خَوْفٌ » في محل جزم بكونه جوابه ، والفاء لازمة . والثاني : أن تكون موصولة والخبر « فَلا خَوْفٌ » ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط ، ف « آمَنَ » على هذا لا محلّ له لوقوعه صلة ، و « فَلا خَوْفٌ » محلّه الرفع لوقوعه خبرا ، والفاء جائزة الدخول لو كان في غير القرآن ، وعلى الوجهين فمحلّ « مَنْ » رفع بالابتداء ، ويجوز على كونها موصولة أن تكون في محل نصب بدلا من اسم « إِنَّ »

--> ( 1 ) البيت للصمة بن عبد اللّه الطفيل انظر ابن يعيش ( 5 / 11 ) ، معاني الفراء ( 2 / 92 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 147 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 277 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 65 ) ، تفسير الرازي ( 14 / 214 ) . الشاهد قوله ( سنينه ) فإنه منصوب بالفتحة على النون اسم إن لا بالياء وإلا لقال : ( سينه ) بحذف النون للإضافة . ( 2 ) سورة الفاتحة ، الآية ( 5 ) . ( 3 ) سورة قريش ، الآية ( 1 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية ( 5 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 62 ) .