أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

565

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1769 - ومستنّة كاستنان الخرو * ف قد قطع الحبل بالمرود « 1 » أي : ومروده فيه ، وكذلك « بِهِ » أيضا حال من فاعل « خَرَجُوا » . وقوله : « وَهُمْ » مبتدأ ، و « قَدْ خَرَجُوا » خبره ، والجملة حال أيضا عطف على الحال قبلها ، وإنما جاءت الأولى فعلية والثانية اسمية تنبيها على فرط تهالكهم في الكفر ، وذلك أنهم كان ينبغي لهم إذا دخلوا على الرسول عليه السّلام أن يؤمنوا ، لما يرون من حسن سمته وهيبته وما يظهر على يديه الشريفة من الخوارق والمعجزات ، ولذلك قال بعض الكفرة : « رأيت وجه من ليس بكذّاب » ، فلمّا لم ينجع فيهم ذلك أكّد كفرهم الثاني بأن أبرز الجملة اسمية صدرها اسم وخبرها فعل ، ليكون الإسناد فيها مرتين . وقال ابن عطية : « وقوله : « وَهُمْ » تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر ثم يؤمنوا ويخرج قوم وهم كفرة ، فكان ينطبق على الجميع وهم قد دخلوا بالكفر وقد خرجوا به ، فأزال اللّه الاحتمال بقوله : « وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ » أي : هم بأعيانهم » . وهذا المعنى سبقه إليه الواحدي فبسطه ابن عطية ، قال الواحدي : « وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ » أكّد الكلام بالضمير تعيينا إياهم بالكفر وتمييزا لهم عن غيرهم » . وقال بعضهم : « معنى « هُمْ » التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من الرسول ما يوجب كفرهم من سوء معاملته لهم ، بل كان يلطف بهم ويعاملهم أحسن معاملة ، فالمعنى : أنهم هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم ، لا أنك أنت الذي تسبّبت لبقائهم في الكفر » . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون التقدير : وقد كانوا خرجوا به » ولا معنى لهذا التأويل . والواو في قوله تعالى : « وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون عاطفة لجملة حال على مثلها . والثاني : أن تكون هي نفسها واو الحال ، وعلى هذا يكون في الآية الكريمة حجة لمن يجيز تعدّد الحال لذي حال مفرد من غير عطف ولا بدل إلا في أفعل التفضيل ، نحو : « جاء زيد ضاحكا كاتبا » ، وعلى الأول لا يجوز ذلك إلا بالعطف أو البدل ، وهذا شبيه بالخلاف في تعدّد الخبر . وقوله تعالى : وَتَرى : يجوز أن تكون بصرية فيكون « يُسارِعُونَ » حالا ، وأن تكون العلمية أو الظنيّة فينتصب « يُسارِعُونَ » مفعولا ثانيا . و « مِنْهُمْ » في محلّ نصب على أنه صفة ل « كَثِيراً » فيتعلّق بمحذوف أي : كائنا منهم أو استقرّ منهم . وقرأ أبو حيوة : « الْعُدْوانِ » بالكسر . و « أَكْلِهِمُ » هذا مصدر مضاف لفاعله . والسحت مفعوله ، وقد تقدّم ما فيه قبل ذلك « 2 » وقوله : « لَبِئْسَ ما » قد تقدّم أيضا حكم « ما » مع بئس ونعم أول هذا الكتاب « 3 » فأغنى عن إعادته . وقوله تعالى : لَوْ لا : حرف تحضيض ومعناه التوبيخ . وقرأ الجراح وأبو واقد : « الرّبيّون » مكان الربانيين . وقرأ ابن عباس « بئسما » بغير لام قسم . و « قَوْلِهِمُ » مصدر مضاف لفاعله ، و « الْإِثْمَ » مفعوله . وقرأ أبو السمّال : « ولعنوا » بسكون العين ، وحسّن تخفيفها هنا كونها كسرة بين ضمتين ، ومثله قول الآخر :

--> ( 1 ) البيت لرجل من بني الحرث انظر ابن يعيش ( 8 / 23 ) ، الكامل ( 479 ) ، اللسان ( خرف ) ، رصف المعاني ( 145 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 42 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 90 ) .