أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
552
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
جوابا للشرط ، وبه يحتجّ من لا يشترط عود ضمير على اسم الشرط إذا كان مبتدأ ، ولقائل أن يقول : إنما جاز ذلك لأنّ المراد بحزب اللّه هو نفس المبتدأ ، فيكون من باب تكرار المبتدأ بمعناه ، وفيه خلاف : الأخفش يجيزه فإنّ التقدير : ومن يتولّ اللّه ورسوله والذين آمنوا فإنه غالب ، فوضع الظاهر موضع المضمر لفائدة وهي التشريف بإضافة الحزب إلى اللّه تعالى ، ويحتمل أن يكون الجواب محذوفا لدلالة الكلام عليه أي : ومن يتولّ اللّه ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب اللّه الغالب أو ينصر ونحوه . ويكون قوله : « فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ » دالا عليه ، وعلى هذين الاحتمالين فلا دلالة في الآية على عدم اشتراط عود ضمير على اسم الشرط . وقوله : « فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ » في محلّ جزم إن جعلناه جوابا للشرط ، ولا محلّ له إن جعلناه دالّا على الجواب . وقوله : « هُمُ » يحتمل أن يكون فصلا وأن يكون مبتدأ و « الْغالِبُونَ » خبره ، والجملة خبر « إنّ » ، وقد تقدّم الكلام على ضمير الفصل وفائدته « 1 » والحزب : الجماعة فيها غلظة وشدة ، فهو جماعة خاصة . قوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ : الآية ، فالذين وصلته هو المفعول الأول لقوله : « لا » ، والمفعول الثاني هو قوله : « أَوْلِياءَ » ، و « دِينَكُمْ » مفعول أول ل « اتَّخَذُوا » ، و « هُزُواً » مفعول ثان ، وتقدّم ما في « هزءا » من القراءات والاشتقاق وقوله : « مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا » فيه وجهان : أحدهما : أنه في محل نصب على الحال ، وصاحبها فيه وجهان : أحدهما : أنه الموصول الأول . والثاني : أنه فاعل اتَّخَذُوا » . الثاني من الأولين أنه بيان للموصول الأول ، فتكون « من » لبيان الجنس ، وقوله : « مِنْ قَبْلِكُمْ » متعلق » ب « أُوتُوا » ؛ لأنهم أوتوا الكتاب قبل المؤمنين ، والمراد بالكتاب الجنس . قوله : « وَالْكُفَّارَ » قرأ أبو عمرو والكسائي : « والكفار » بالخفض ، والباقون بالنصب ، وهما واضحتان ، فقراءة الخفض عطف على الموصول المجرور ب « من » ، ومعناها أنه نهاهم أن يتخذوا المستهزئين أولياء ، وبيّن أن المستهزئين صنفان : أهل كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى ، وكفار عبدة أوثان ، وإن كان اسم الكفر ينطلق على الفريقين ، إلا أنه غلب على عبدة الأوثان : الكفار ، وعلى اليهود والنصارى : أهل الكتاب . قال الواحدي : « وحجة هذه القراءة من التنزيل قوله تعالى : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ « 2 » اتفقوا على جرّ « المشركين » عطفا على أهل الكتاب ، ولم يعطف على العامل الرافع » ، يعني بذلك أنه قد أطلق الكفار على أهل الكتاب وعلى عبدة الأوثان : المشركين ، ويدل على أنّ المراد بالكفار في آية المائدة المشركون قراءة عبد اللّه : « ومن الذين أشركوا » ، ورجّحت قراءة أبي عمرو أيضا بالقرب ، فإن المعطوف عليه قريب ، ورجّحت أيضا بقراءة أبيّ : « ومن الكفار » بالإتيان ب « من » . وأمّا قراءة الباقين فوجهها أنه عطف على الموصول الأول أي : لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء ، فهو كقوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » ، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرّض للإخبار باستهزاء المشركين » ، وهم مستهزئون أيضا ، قال تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ « 4 » والمراد بهم مشركو العرب ، ولوضوح قراءة الجرّ قال مكي بن أبي طالب « ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في المعنى ، ولقرب المعطوف من المعطوف عليه » . والضمير في : اتَّخَذُوها : يجوز أن يعود على الصلاة - وهو الظاهر - ويجوز أن يعود على المصدر المفهوم
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 67 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 105 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 28 ) . ( 4 ) سورة الحجر ، الآية ( 95 ) .