أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
54
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أردد علينا شيخنا مسلّما وقال الكوفيون : الميم المشددة بقية فعل محذوف تقديره : « أمّنا بخير » أي : اقصدنا به ، من قولك : « أمّمت زيدا » أي قصدته ، ومنه : « وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ » « 1 » أي : قاصديه ، وعلى هذا فالجمع بين « يا » والميم ليس بضرورة عندهم ، إذ ليست عوضا منها . وقد ردّ عليهم البصريون هذا بأنه قد سمع « اللهم أمّنا بخير » وقال تعالى : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ » « 2 » فقد صرّح بالمدعوّبه ، فلو كانت الميم بقية « أمّنا » لفسد المعنى فبان بطلانه . وهذا من الأسماء التي لزمت النداء فلا يجوز أن يقع في غيره ، وقد وقع في ضرورة الشعر كونه فاعلا . أنشد الفراء : 1217 - كحلفة من أبي دثار * يسمعها اللهم الكبار « 3 » فاستعمله هنا فاعلا بقوله : « يسمعها » ولا يجوز تخفيف ميمه ، وجوّزه الفراء وأنشد البيت : « يسمعها اللّهمّ الكبار » بتخفيف الميم ؛ إذ لا يمكنه استقامة الوزن إلّا بذلك . قال بعضهم : « هذا خطأ فاحش ، وذلك لأنّ الميم بقية « أمّنا » وهو رأي الفراء ، فكيف يجوّز الفراء ؟ وأجاب عن البيت بأنّ الرواية ليست كذلك ، بل الرواية : يسمعها لاهه الكبار . قلت : وهذا لا يعارض الرواية الأخرى ، فإنه كما صحّت هذه صحّت تيك . وردّ الزجاج مذهب الفراء بأنه لو كان الأصل : « يا اللّه أمنا » للفظ به منبهه على الأصل كما قالوا في : ويلمّه : ويل لأمّه . ومن أحكام هذه اللفظة أيضا أنها كثر دورها حتى حذفت منها الألف واللام في قولهم : « لاهمّ » أي : اللهم ، قال الشاعر : 1218 - لا همّ إنّ عامر بن جهم * أحرم حجّا في ثياب دسم « 4 » 1219 - لا همّ إنّ جرهما عبادكا * النّاس طرف وهم بلادكا « 5 » وفي هذه الكلمة أبحاث كثيرة موضعها غير هذا . قوله : « مالِكَ الْمُلْكِ » فيه أوجه : أحدها : أنه بدل من « اللَّهُمَّ » . الثاني : أنه عطف بيان . الثالث : أنه منادى ثان ، حذفت منه حرف النداء ، أي : يا مالك الملك ، وهذا هو البدل في الحقيقة ، إذ البدل على نية تكرار العامل ، إلّا أنّ الفرق أنّ هذا ليس بتابع .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 2 ) . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية ( 32 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البيت في أساس البلاغة 1 / 271 ، مشكل القرآن لابن قتيبة ( 142 ) ، البحر المحيط 2 / 416 . يعني أحرم بالحج وهو متلطخ بالذنوب والدسم أي الوضر والدنس . ( 5 ) لم نعثر عليه .