أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

539

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنه يلزم منه الفصل بين « جَعَلْنا » وبين معمولها وهو « شِرْعَةً » قاله أبو البقاء ، وفيه نظر ، فإن العامل في « لِكُلٍّ » غير أجنبي ، ويدل على ذلك قوله : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ « 1 » ففصل بين الجلالة وصفتها بالعامل في المفعول الأول ، وهذا نظيره . وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب : « شرعة » بفتح الشين ، كأن المكسور للهيئة والمفتوح مصدر . والشرعة في الأصل : السّنّة ، ومنه : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ « 2 » أي : سنّ والشارع : الطريق ، وهو من الشريعة التي هي في الأصل الطريق الموصل إلى الماء ، ومنه قوله : 1743 - وفي الشّرائع من جلّان مقتنص * بالي الثّياب خفيّ الصّوت منزرب « 3 » والمنهاج : مشتق من الطريق النّهج وهو الواضح ، ومنه قوله : 1744 - من يك ذا شكّ فهذا فلج * ماء رواء وطريق نهج « 4 » أي : واضح ، يقال : طريق منهج ونهج . وقال ابن عطية : « منهاج مثال مبالغة من نهج » يعني نحو قولهم : « إنه لمنحار بوائكها » وهو حسن ، وهل الشرعة والمنهاج بمعنى ، كقوله : 1748 - . . . * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 5 » وكقوله : 1746 - . . . * وألفي قولها كذبا ومينا « 6 » أو مختلفان ؟ فالشّرعة ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستمر ، قاله المبرد ، أو الشرعة الطريق واضحا كان أو غير واضح ، والمنهاج الطريق الواضح فقط ، فالأول أعمّ ، قاله ابن الأنباري ، أو الدين والدليل ؟ خلاف مشهور . قوله : وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ « لِيَبْلُوَكُمْ » متعلق بمحذوف فقدّره أبو البقاء : « ولكن فرّقكم ليبلوكم » وقدّره غيره : « ولكن لم يشأ جعلكم أمة واحدة » وهذا أحسن لدلالة اللفظ والمعنى عليه . و « جَمِيعاً » حال من « كم » في « مَرْجِعُكُمْ » ، والعامل في هذه الحال : إمّا المصدر المضاف إلى « كم » ، فإنّ « كم » يحتمل أن يكون فاعلا ، والمصدر ينحلّ لحرف مصدري وفعل مبني للفاعل ، والأصل : « ترجعون جميعا » ، ويحتمل أن يكون مفعولا لم يسمّ فاعله على أن المصدر ينحلّ لفعل مبني للمفعول أي : يرجعكم اللّه ، وقد صرّح بالمعنيين في مواضع ، وإمّا أن يعمل فيها الاستقرار المقدر في الجار وهو « إليه » ، و « إليه مرجعكم » يحتمل أن يكون من باب الجمل الفعلية أو الجمل الاسمية ، وهذا واضح بما تقدّم في نظائره ، و « فَيُنَبِّئُكُمْ » هنا من « نبّأ » غير متضمنة معنى « أعلم » فلذلك تعدّت لواحد بنفسها وللآخر بحرف الجر .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية ( 14 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية ( 13 ) . ( 3 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 64 ) . ( 4 ) انظر البيت في المقتضب ( 3 / 259 ) ، مجاز القرآن - - ( 1 / 168 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم .