أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

536

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عطية قريبا من الوجه الأول - أعني كون « وَلْيَحْكُمْ » مفعولا له عطفا على « هُدىً » والعامل « آتَيْناهُ » الملفوظ به - فإنه قال : وآتيناه الإنجيل ليتضمّن الهدى والنور والتصديق وليحكم أهل الإنجيل » . قال الشيخ « 1 » : « فعطف « وَلْيَحْكُمْ » على توهّم علة ، ولذلك قال : « ليتضمن » ، وذكر الشيخ قول الزمخشري السابق ، وجعله أقرب إلى الصواب من قول ابن عطية ، قال : « لأنّ الهدى الأول والنور والتصديق لم يؤت بها على أنها علة ، إنما جيء بقوله « فِيهِ هُدىً وَنُورٌ » على معنى كائنا فيه ذلك ومصدقا ، وهذا معنى الحال ، والحال لا تكون علة ، فقوله : « ليتضمّن كيت وكيت وليحكم » بعيد . وقد ختمت الآية « 2 » الأولى ب « الكافرون » ، والثانية ب « الظالمون » ، والثالثة ب « الفاسقون » لمناسبات ذكرها الناس ، وأحسن ما قيل فيها ما ذكره الشعبي من أن الأول في المسلمين ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى ، وذلك أنّ قبل الأولى « فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ » و « كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ » و « يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ » وقبل الثانية : « وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ » وهم اليهود ، وقبل الثالثة : « وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ » وهم النصارى ، فكأنه خصّ كلّ واحدة بما يليه . وقرأ أبي : « وأن ليحكم » بزيادة « أن » ، وليس موضع زيادتها . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 48 ] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 48 ) قوله تعالى : بِالْحَقِّ : الباء يجوز أن تكون للحال من « الْكِتابَ » أي : ملتبسا بالحق والصدق ، وهي حال مؤكدة ، ويجوز أن تكون حالا من الفاعل أي : مصاحبين للحق ، أو حالا من الكاف في « إِلَيْكَ » أي : وأنت ملتبس بالحق . و « مِنَ الْكِتابِ » تقدّم نظيره . و « أل » في الكتاب الأول للعهد وهو القرآن بلا خلاف ، وفي الثاني : يحتمل أن تكون للجنس ، إذ المراد الكتب السماوية . وجوّز الشيخ « 3 » أن تكون للعهد ؛ إذ المراد نوع معلوم من الكتاب ، لا كلّ ما يقع عليه هذا الاسم ، والفرق بين الوجهين أنّ الأول يحتاج إلى حذف صفة أي : من الكتاب الإلهي ، وفي الثاني لا يحتاج إلى ذلك ؛ لأنّ العهد في الاسم يتضمّنه بجميع صفاته . قوله : وَمُهَيْمِناً الجمهور على كسر الميم الثانية ، اسم فاعل وهو حال من « الْكِتابَ » الأول لعطفه على منه وهي « مُصَدِّقاً » ، ويجوز في « مُصَدِّقاً » و « مُهَيْمِناً » أن يكونا حالين من كاف « إِلَيْكَ » ، وسيأتي تحقيق ذلك عند ذكر قراءة مجاهد رحمه اللّه . و « عَلَيْهِ » متعلق « بمهيمن » . والمهيمن : الرقيب ، قال : 1741 - إنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا * والحقّ يعرفه ذوو الألباب « 4 »

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 500 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 44 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 501 ) . ( 4 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 501 ) ، تفسير القرطبي ( 6 / 210 ) .