أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

528

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : « يَحْكُمُ بِهَا » يجوز أن تكون جملة مستأنفة ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ على الحال : إمّا من الضمير في « فِيها » وإمّا من التوراة . وقوله : « الَّذِينَ أَسْلَمُوا » صفة ل « النَّبِيُّونَ » وصفهم بذلك على سبيل المدح والثناء لا على سبيل التفصيل فإنّ الأنبياء كلّهم مسلمون ، وإنما أثنى عليهم بذلك كما تجري الأوصاف على أسماء اللّه تعالى . قال الزمخشري : « أجريت على النبيين على سبيل المدح كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح ، وأريد بإجرائها التعريض باليهود وأنهم بعداء من ملة الإسلام الذي هو دين الأنبياء كلّهم في القديم والحديث ، فإنّ اليهود بمعزل عنها ، وقوله : « الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا » مناد على ذلك » أي دليل على ما ادّعاه . قوله : لِلَّذِينَ هادُوا في هذه اللام ثلاثة أقوال : أظهرها : أنها متعلقة ب « يَحْكُمُ » ، فعلى هذا معناها الاختصاص ، وتشمل من يحكم له ومن يحكم عليه ، ولهذا ادّعى بعضهم أنّ في الكلام حذفا تقديره : « يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم » ذكره ابن عطية وغيره . والثاني : أنها متعلقة بأنزلنا ، أي : أنزلنا التوراة للذين هادوا يحكم بها النبيون . والثالث : أنها متعلقة بنفس « هُدىً » أي : هدى ونور للذين هادوا ، وهذا فيه الفصل بين المصدر ومعموله ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون « لِلَّذِينَ هادُوا » صفة ل « هُدىً وَنُورٌ » أي : هدى ونور كائن للذين هادوا ، وأول هذه الأقوال هو المقصود . قوله : وَالرَّبَّانِيُّونَ عطف على « النَّبِيُّونَ » أي : إنّ الربانيين - وقد تقدّم تفسيرهم في آل عمران « 1 » - يحكمون أيضا بمقتضى ما في التوراة . والأحبار : جمع « حبر » بفتح الحاء وكسرها وهو العالم ، وأنكر أبو الهيثم الكسر ، والفراء الفتح ، وأجاز أبو عبيد الوجهين ، واختار الفتح ، فأمّا « الحبر » الذي يكتب به فبالكسر فقط ، وأصل المادة الدلالة على التحسين والمسرّة ، وسمّي ما يكتب به حبرا لتحسين الخط ، وقيل : لتأثيره ، ويدلّ للأول قوله تعالى : أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ « 2 » أي : تفرحون وتزيّنون . وقال أبو البقاء : « وقيل : الربانيون مرفوع بفعل محذوف أي : ويحكم الربانيون والأحبار بما استحفظوا » انتهى . يعني أنه لمّا اختلف متعلّق الحكم غاير بين الفعلين أيضا فإنّ النبيين يحكمون بالتوراة ، والأحبار والربانيون يحكمون بما استحفظهم اللّه ، وهذا بعيد عن الصواب ؛ لأنّ الذي استحفظهم اللّه هو مقتضى ما في التوراة ، فالنبيون والربانيون حاكمون بشيء واحد ، على أنه سيأتي أنّ الضمير في « اسْتُحْفِظُوا » عائد على النبيين فمن بعدهم . قوله : « بِمَا اسْتُحْفِظُوا أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ « بِمَا » بدل من قوله « بها » بإعادة العامل لطول الفصل ، قال : « وهو جائز وإن لم يطل » أي : يجوز إعادة العامل في البدل وإن لم يطل ، قلت : وإن لم يفصل أيضا . الثاني : أن يكون متعلقا بفعل محذوف ، أي : ويحكم الربّانيون بما استحفظوا ، كما قدمته عنه . والثالث : أنه مفعول به أي : يحكمون بالتوراة بسبب استحفاظهم ذلك ، وهذا الوجه الأخير هو الذي نحا إليه

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية 79 من سورة آل عمران . ( 2 ) سورة الزخرف ، الآية ( 70 ) .