أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

523

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« لم يقرأ بها إلا عيسى » ليس كما زعم ، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن أبي عبلة ، وأيضا فهؤلاء لم يقرؤوها من تلقاء أنفسهم ، بل نقلوها إلى أن تتصل بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، غاية ما في الباب أنها ليست في شهرة الأولى . وعن الثاني : أن سيبويه لم يدّع ترجيح النصب حتى يلزم بما قاله ، بل خرّج قراءة العامة على جملتين ، لما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء ، ولذلك لمّا مثّل سيبويه جملة الأمر والنهي بعد الاسم مثّلهما عاريتين من الفاء ، قال : « وذلك قولك : « زيدا اضربه » و « عمرا امرر به » . وعن الثالث : ما تقدم من الحكمة المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله ، وعن الرابع : بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فرق بأنّ الرفع يقتضي العلة ، والنصب لا يقتضيه ، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصف المرتّب عليه الحكم ، ألا ترى أن قولك : « اقطع السارق » يفيد العلة ، أي : إنه جعل علة القطع اتصافه بالسرقة ، فهذا يشعر بالعلة مع التصريح بالنصب . وعن الخامس : أنهم يقدّمون الأهمّ حيث اختلفت النسبة الإسنادية كالفاعل مع المفعول ، ولنسرد نصّ سيبويه ليتبيّن ما ذكرناه ، قال سيبويه « 1 » : « فإن قدّمت المفعول وأخّرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول » يعني في : « ضرب عبد اللّه زيدا » قال : « وذلك : ضرب زيدا عبد اللّه ، لأنك إنما أردت به مؤخرا ما أردت به مقدما ، ولم ترد أن يشتغل الفعل بأول منه وإن كان مؤخرا في اللفظ ، فمن ثمّ كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدما وهو عربي جيد كثير ، كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ لهم ، وهم ببيانه أعنى ، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم » والآية الكريمة ليست في ذلك . قوله : أَيْدِيَهُما جمع واقع موقع التثنية لأمن اللّبس ، لأنه معلوم أنه يقطع من كلّ سارق يمينه ، فهو من باب صَغَتْ قُلُوبُكُما « 2 » ، ويدل على ذلك قراءة عبد اللّه : « فاقطعوا أيمانهما » . واشترط النحويون في وقوع الجمع موقع التثنية شروطا ، من جملتها : أن يكون ذلك الجزء المضاف مفردا من صاحبه نحو : « قلوبكما » و « رؤوس الكبشين » لأمن الإلباس بخلاف العينين واليدين والرجلين ، لو قلت : « فقأت أعينهما » وأنت تعني عينيهما ، و « كتّفت أيديهما » وأنت تعني « يديهما » لم يجز للّبس ، فلو لا أنّ الدليل دلّ على أن المراد اليدان اليمنيان لما ساع ذلك ، وهذا مستفيض في لسانهم - أعني وقوع الجمع موقع التثنية بشروطه - قال تعالى : « فقد صغت قلوبكما » . ولنذكر المسألة فنقول : كلّ جزأين أضيفا إلى كلّيهما لفظا أو تقديرا وكانا مفردين من صاحبيهما جاز فيهما ثلاثة أوجه : الأحسن الجمع ، ويليه الإفراد عند بعضهم ، ويليه التثنية ، وقال بعضهم : الأحسن الجمع ثم التثنية ثم الإفراد نحو : « قطعت رؤوس الكبشين ورأس الكبشين ورأسي الكبشين » ، قال : 1734 - ومهمهين قذفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور التّرسين « 3 » فقولي : « جزآن » تحرّز من الشيئين المنفصلين ، لو قلت : قبضت دراهمكما » تعني : درهميكما لم يجز للّبس ، فلو أمن جاز كقوله : اضرباه بأسيافكما » « إلى مضاجعكما » . وقولنا « أضيفا » تحرّز من تفرّقهما كقوله : عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ « 4 » ، وقولنا « لفظا » تقدّم مثاله ، فإنّ الإضافة فيه لفظية . وقولنا « أو تقديرا » نحو قوله :

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 14 - 15 ) . ( 2 ) سورة التحريم ، الآية ( 4 ) . ( 3 ) البيت لخطام المجاشعي انظر الأشموني ( 1 / 74 ) ، ابن يعيش ( 4 / 155 ) ، ابن الشجري ( 1 / 12 ) ، الدرر ( 1 / 515 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، الآية ( 78 ) .