أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

520

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومع هذا الاعتراض الذي ذكره فقد يظهر عنه جواب وهو أنّا نقول : نختار أن يكون الضمير في قوله : « مَعَهُ » عائدا على « مِثْلَهُ » ، ويصير المعنى : مع مثلين ، وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد ، وقوله : « تركيب عيّ » فهم قاصر . ولا بد من جملة محذوفة قبل قوله : « ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ » تقديره : « وبذلوه أو وافتدوا به » ليصحّ التركيب المذكور ، إذ لا يترتب على استقرار ما في الأرض جميعا ومثله معه لهم عدم التقبل ، إنما يترتب عدم التقبل على البذل والافتداء . والعامة على « تُقُبِّلَ » مبنيا للمفعول حذف فاعله لعظمته وللعلم به . وقرأ يزيد بن قطيب : « ما تُقُبِّلَ » مبنيا للفاعل ، وهو ضمير الباري تبارك وتعالى . قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ مبتدأ وخبره مقدّم عليه . و « أَلِيمٌ » صفته بمعنى مؤلم . وهذه الجملة أجازوا فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون حالا ، وفيه ضعف من حيث المعنى . الثاني : أن تكون في محل رفع عطفا على خبر « أنّ » ، أخبر عن الذين كفروا بخبرين : لو استقر لهم جميع ما في الأرض مع مثله فبذلوه لم يتقبّل منهم ، وأن لهم عذابا أليما . الثالث : أن تكون معطوفة على الجملة من قوله : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » ، وعلى هذا فلا محلّ لها لعطفها على ما لا محلّ له . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 37 إلى 38 ] يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) وقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا : كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ « 1 » ، وقد تقدّم . والجمهور على « أَنْ يَخْرُجُوا » مبنيا للفاعل ، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي : « يَخْرُجُوا » مبنيا للمفعول ، وهما واضحتا التخريج . قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ : قراءة الجمهور بالرفع ، وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصب ، ونقل عن أبي : « والسّرّق والسّرّقة » بضم السين وفتح الراء مشددتين . قال الخفاف « 2 » : « وجدته في مصحف أبي كذلك » وممّن ضبطهما بما ذكرت أبو عمرو ، إلا أن ابن عطية جعل هذه القراءة تصحيفا فإنه قال : « ويشبه أن يكون هذا تصحيفا من الضابط ، لأنّ قراءة الجماعة إذا كتبت : « وَالسَّارِقُ » بغير ألف وافقت في الخط هذه » قلت : ويظهر توجيه هذه القراءة بوجه ظاهر وهو أن السّرّق جمع سارق ، فإنّ فعّلا يطّرد جمعا لفاعل صفة نحو : ضارب وضرّب ، والدليل على أن المراد الجمع قراء عبد اللّه : « والسارقون والسارقات » بصيغتي جمع السلامة ، فدلّ على أن المراد الجمع ، إلا أنه يشكل علينا في هذا شيء وهو أن فعّلا يكون جمع فاعل وفاعلة أيضا ، تقول : « نساء ضرّب » كما تقول : « رجال ضرّب » ولا يدخلون عليه تاء التأنيث حين يراد به الإناث ، والسّرّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بتاء التأنيث

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 28 ) . ( 2 ) إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المكي الخفاف قرأ على أحمد - - البزي قرأ عليه أبو بكر محمد بن عيسى الجصاص . انظر غاية النهاية ( 1 / 26 ) .