أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
51
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1213 - ومن شانىء كاسف وجهه * إذا ما انتسبت له أنكرن « 1 » قال بعضهم : « يكثر حذف هذه الياء مع نون الوقاية خاصة ، فإن لم تكن نون فالكثير إثباتها » . قوله : أَ أَسْلَمْتُمْ صورته استفهام ومعناه الأمر ، أي : أسلموا ، كقوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أي : انتهوا ، قال الزمخشري : « يعني أنه قد أتاكم من البيّنات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم بعد ، أم أنتم على كفركم ؟ وهذا كقولك لمن لخّصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلّا سلكته : هل فهمتها أم لا ، لا أمّ لك ؟ ومنه قوله عز وجل : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 2 » بعد ما ذكر الصّوارف عن الخمر والميسر ، وفي هذا الاستفهام استقصاء وتعبير بالمعاندة وقلّة الإنصاف ، لأنّ المنصف إذا تجلّت له الحجّة لم يتوقّف إذعانه للحق » وهو كلام حسن جدا وقوله : « فَقَدِ اهْتَدَوْا » دخلت « قد » على الماضي مبالغة في تحقّق وقوع الفعل وكأنّه قد قرب من الوقوع . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ : لمّا ضمّن هذا الموصول معنى الشرط دخلت الفاء في خبره ، وهو قوله : فبشّرهم ، وهذا هو الصحيح ، أعني أنه إذا نسخ المبتدأ ب « إِنَّ « فجواز دخول الفاء باق ، لأن المعنى لم يتغيّر ، بل ازداد تأكيدا ، وخالف الأخفش فمنع دخولها مع نسخه ب « إنّ ، والسماع حجّة عليه كهذه الآية ، وكقوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ « 3 » الآية ، وكذلك إذا نسخ ب « لكنّ » كقوله : 1214 - فو اللّه ما فارقتكم عن ملالة * ولكنّ ما يقضى فسوف يكون « 4 » وكذلك إذا نسخ ب « أنّ » المفتوحة كقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ « فَأَنَّ لِلَّهِ « خُمُسَهُ » ، أمّا إذا نسخ بليت ولعل وكأنّ امتنعت الفاء عند الجمع لتغيّر المعنى . قوله : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ قرأ حمزة « ويقاتلون » من المقاتلة ، والباقون : « وَيَقْتُلُونَ » كالأول ، فأمّا قراءة حمزة فإنه غاير فيها بين الفعلين وهي موافقة لقراءة عبد اللّه : « وقاتلوا » من المقاتلة ، إلّا أنّه أتى بصيغة الماضي ، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع في قراءته لحكاية الحال ومعناه المضيّ . وأمّا الباقون فقيل في قراءتهم : إنما كرّر الفعل لاختلاف متعلّقه ، أو كرّر تأكيدا ، وقيل : المراد بأحد القتلين تفويت الروح وبالآخر الإهانة ، فلذلك ذكر كلّ واحد على حدته ، ولولا ذلك لكان التركيب « وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ و الَّذِينَ يَأْمُرُونَ » . « 5 » وقرأ الحسن : « ويقتّلون » بالتشديد ومعناه التكثير ، وجاء هنا « بِغَيْرِ حَقٍّ » منكّرا ، وفي البقرة « 6 » « بِغَيْرِ الْحَقِّ » معرّفا قيل : لأنّ الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط ، وهو عامّ لا يتخصّص فلذلك ناسب أن تنكّر في سياق النفي ليعمّ ، وأمّا في البقرة فجاءت الآية في ناس معهودين مشخّصين بأعيانهم ، وكان الحقّ الذي يقتل به الإنسان معروفا عندهم فلم
--> ( 1 ) انظر ديوانه 192 ، الكتاب 4 / 187 ، ابن يعيش 9 / 86 ، أمالي الشجري 2 / 73 . الشاني : المبغض والكاسف : العابس المتغير اللون . والشاهد حذف الياء من قوله « أنكرن » . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 91 ) . ( 3 ) سورة البروج ، آية ( 10 ) . ( 4 ) البيت للأفوه الأودي انظر الهمع 1 / 110 ، العيني 2 / 315 ، التصريح على التوضيح 1 / 225 ، الدرر 1 / 80 ، الأشموني 1 / 225 - 284 ، وليس البيت في ديوانه . ( 5 ) سورة الأنفال ، آية ( 41 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 61 ) .