أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

507

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وعلى هذا القول فيحتمل أن يكون مفعول « يَخافُونَ » كما تقدّم ، أي : يخافون اللّه أو العدو ، والمعنى كما تقدّم ، ويحتمل أن يكون المفعول ضميرا عائدا على الموصول ويكون الضمير المرفوع في « يَخافُونَ » ضمير بني إسرائيل ، والتقدير : من الذين يخافهم بنو إسرائيل ، وأيّد الزمخشري هذا التأويل بقراءة « 1 » من قرأ « يَخافُونَ » مبنيا للمفعول ، وبقوله أيضا : « أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا » فإنه قال : « وقراءة من قرأ « يخافون » بالضم شاهدة له ، ولذلك أنعم اللّه عليهما ، كأنه قيل : من المخوّفين » انتهى . والقراءة المذكورة مروية عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد ، وأبدى الزمخشري أيضا في هذه القراءة احتمالا آخر وهو أن تكون من الإخافة ومعناه : من الذين يخوّفون من اللّه بالتذكرة والموعظة أو يخوّفهم وعيد اللّه بالعقاب . وتحتمل القراءة أيضا وجها آخر : وهو أن يكون المعنى : « يَخافُونَ » أي : يهابون ويوقّرون ، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم ، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيح في هذه القراءة لكون الرجلين من الجبارين . وأما قوله : وكذلك « أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا » أي : في كونه مرجّحا أيضا لكونهما من الجبارين فغير ظاهر ، لكون هذه الصفة مشتركة بين يوشع وكالب وبين غيرهما ممّن أنعم اللّه عليه . قوله : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا في هذه الجملة خمسة أوجه : أظهرها : أنها صفة ثانية فمحلّها الرفع ، وجيء هنا بأفصح الاستعمالين من كونه قدّم الوصف بالجارّ على الوصف بالجملة لقربه من المفرد . والثاني : أنها معترضة ، وهو أيضا ظاهر . الثالث : أنها حال من الضمير في « يَخافُونَ » قاله مكي . الرابع : أنها حال من « رَجُلانِ » ، وجاءت الحال من النكرة لتخصّصها بالوصف . الخامس : أنها حال من الضمير المستتر في الجارّ والمجرورّ ، وهو « مِنَ الَّذِينَ » لوقوعه صفة لموصوف ، وإذا جعلتها حالا فلا بدّ من إضمار « قد » مع الماضي على خلاف سلف في المسألة . قوله تعالى : ما دامُوا فِيها : « ما » مصدرية ظرفية ، و « دامُوا » صلتها ، وهي « دام » الناقصة ، وخبرها الجارّ بعده ، وهذا الظرف بدل من « أَبَداً » وهو بدل بعض من كل ؛ لأنّ الأبد يعمّ الزمن المستقبل كلّه ، ودوام الجبارين فيها بعضه ، وظاهر عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدل كل من كل أو عطف بيان ، والعطف قد يقع بين النكرتين على كلام فيه تقدّم ، قال الزمخشري : « وأبدا » تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ، و « ما دامُوا فِيها » بيان الأمر » ، فهذه العبارة تحتمل أنه بدل بعض من كل ، لأنّ بدل البعض من الكل مبيّن للمراد نحو : « أكلت الرغيف ثلثه » ، ويحتمل أن يكون بدل كل من كل فإنه بيان أيضا للأول وإيضاح له ، نحو : « رأيت زيدا أخاك » ، ويحتمل أن يكون عطف بيان . قوله : وَرَبُّكَ فيه أربعة أوجه : أحدهما : أنه مرفوع عطفا على الفاعل المستتر في « اذهب » وجاز ذلك للتأكيد بالضمير . الثاني : أنه مرفوع بفعل محذوف أي : وليذهب ربك ، ويكون من عطف الجمل ، وقد تقدم لي نقل هذا القول

--> ( 1 ) انظر البحر ( 3 / 455 ) .