أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
505
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في « بِهِ » أتى به مفردا ، وقد تقدّمه شيئان ، وهما نور وكتاب ، ولكن لمّا قصد بالجملة من قوله « يَهْدِي » الحال أو الوصف من أحدهما أفرد الضمير ، وقيل : الضمير في « بِهِ » يعود على الرسول . وقيل : يعود على السّلام ، وعلى هذين القولين لا تكون الجملة من قوله « يَهْدِي » حالا ولا صفة لعدم الرابط . و « مَنِ » موصولة أو نكرة موصوفة ، وراعى لفظها في قوله « اتَّبَعَ » فلذلك أفرد الضمير ، ومعناها ، فلذلك جمعه في قوله : « وَيُخْرِجُهُمْ » . وقرأ عبيد بن عمير ومسلم بن جندب والزهري : « به » بضمّ الهاء حيث وقع ، وقد تقدم أنه الأصل . وقرأ الحسن : « سبل » بسكون الباء ، وهو تخفيف قياسي به كقولهم في « عنق » : « عنق » ، وهذا أولى لكونه جمعا ، وهو مفعول ثان ل « يَهْدِي » على إسقاط حرف الجر أي : إلى سبل ، وتقدم تحقيق نظيره ، ويجوز أن ينتصب على أنه بدل من « رِضْوانَهُ » : إمّا بدل كل من كل ؛ لأن « سُبُلَ السَّلامِ » هي رضوان الباري تعالى ، وإمّا بدل اشتمال لأن الرضوان مشتمل على سبل السّلام ، أو لأنها مشتملة على رضوان اللّه تعالى ، وإما بدل بعض من كل ، لأنّ سبل السّلام بعض الرضوان . و « بِإِذْنِهِ » متعلق ب « يُخْرِجُهُمْ » أي بتيسيره أو بأمره ، والباء للحال أي : مصاحبين لتيسيره ، أو للسببية ، أي : بسبب أمره المنزل على رسوله . قوله تعالى : فَمَنْ يَمْلِكُ : الفاء عاطفة هذه الجملة على جملة مقدرة قبلها ، والتقدير : قل كذبوا - أوليس الأمر كذلك - فمن يملك ؟ وقوله : « مِنَ اللَّهِ » فيه احتمالان : أظهرهما : أنه متعلق بالفعل قبله . والثاني : ذكره أبو البقاء أنه حال من « شَيْئاً » يعني من حيث إنه كان صفة في الأصل للنكرة فقدّم عليها فانتصب حالا ، وفيه بعد أو منع . وقوله : « فَمَنْ » استفهام توبيخ وتقرير ، وهو دالّ على جواب الشرط بعده عند الجمهور . وقوله : « وَمَنْ فِي الْأَرْضِ » من باب عطف العام على الخاص حتى يبالغ في نفي الإلهية عنهما ، فكأنه نصّ عليهما مرتين مرة بذكرهما مفردين ، ومرة باندراجهما في العموم . و « جَمِيعاً » حال من المسيح وأمه ومن في الأرض ، أو من « مِنَ » وحدها لعمومها ، ويجوز أن تكون منصوبة على التوكيد مثل « كُلِّ » ، وذكرها بعض النحويين من ألفاظ التوكيد . وقوله : « يَخْلُقُ » جملة لا محلّ لها لاستئنافها . قوله تعالى : فَلِمَ : هذه الفاء جواب شرط مقدر وهو ظاهر كلام الزمخشري فإنه قال : « فإن صحّ أنكم أبناء اللّه وأحباؤه فلم تذنبون وتعذّبون ؟ » ويجوز أن تكون كالفاء قبلها في كونها عاطفة على جملة مقدرة أي : كذبتم فلم يعذبكم ؟ والباء في « بِذُنُوبِكُمْ » سببية . و « مِمَّنْ خَلَقَ » صفة ل « بَشَرٌ » فهو في محل رفع متعلق بمحذوف . قوله تعالى : يُبَيِّنُ لَكُمْ : تقدّم نظيره « 1 » . وقوله : عَلى فَتْرَةٍ فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه متعلق ب « جاءَكُمْ » أي : جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، ذكره الزمخشري . والثاني : أنه حال من فاعل « يُبَيِّنُ » أي : يبين في حال كونه على فترة . والثالث : أنه حال من الضمير المجرور في « لَكُمْ » ، فيتعلّق على هذين الوجهين بمحذوف . و « مِنَ الرُّسُلِ »
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية ( 15 ) .