أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

499

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنّ الجملة من قوله : « لَهُمْ مَغْفِرَةٌ » بيان للوعد ، كأنه قال : قدّم لهم وعدا ، فقيل : أيّ شيء وعده ؟ فقال : لهم مغفرة وأجر عظيم ، وعلى هذا فلا محلّ لها أيضا ، وهذا أولى من الأول لأن تفسير الملفوظ به أولى من ادّعاء تفسير شيء محذوف . الثاني : أنّ الجملة منصوبة بقول محذوف كأنه قيل : وعدهم وقال لهم مغفرة . الثالث : إجراء الوعد مجرى القول لأنه ضرب منه ، ويجعل « وَعَدَ » واقعا على الجملة التي هي قوله : « لَهُمْ مَغْفِرَةٌ » كما وقع « تركنا » على قوله : « سَلامٌ عَلى نُوحٍ » « 1 » ، كأنه قيل : وعدهم هذا القول ، وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم ، وإجراء الوعد مجرى القول مذهب كوفي . تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا : مبتدأ ، و « أُولئِكَ » مبتدأ ثان ، و « أَصْحابُ » خبره ، والجملة خبر الأول ، وهذه الجملة مستأنفة أتي بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار ، ولم يؤت بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسما لرجائهم ، وأجاز بعضهم أن تكون هذه الجملة داخلة في حيّز الوعد ، على ما تقدّم تقريره في الجملة قبلها ، قال : « لأنّ الوعيد اللاحق بأعدائهم ممّا يشفي صدورهم ، ويذهب ما كانوا يجدونه من أذاهم ، ولا شك أن الأذى اللاحق للعدوّ ممّا يسرّ ، ويفرح ما عند عدوه » وفيه نظر ، فإنّ الاستئناف واف بهذا المعنى ؛ فإنّ الإنسان إذا سمع خبرا يسوء عدوّه سرّ بذلك ، وإن لم يوعد به ، وقد يتقوّى صاحب هذا القول المتقدم بأن الزمخشري قد نحا إلى هذا المعنى في سورة سبحان « 2 » ، قال : « فإن قلت : علام عطف « وأن الذين لا يؤمنون » ؟ قلت : على « أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً » ، على أنه بشّر المؤمنين ببشارتين اثنتين : بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، فجعل عقاب أعدائهم داخلا في حيّز البشارة ، فالبشارة هناك كالوعد هنا . وقوله تعالى : عَلَيْكُمْ : يجوز أن يتعلّق ب « نِعْمَتَ » وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال منها . و « إِذْ هَمَّ » ظرف ، ناصبه النعمة أيضا أي : اذكروا نعمته عليكم في وقت همّهم ، ويجوز أن يتعلق هذا الظرف بما تعلق به « عَلَيْكُمْ » إذا جعلته حالا من « نِعْمَتَ » ، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب « اذْكُرُوا » لتنافي زمنيهما ، فإنّ « إِذْ » للمضي ، « اذْكُرُوا » مستقبل . و « أَنْ يَبْسُطُوا » على إسقاط الباء أي : همّوا بأن يبسطوا ، ففي موضع « أَنْ » الخلاف المشهور . تعالى : مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً : « مِنْهُمُ » يجوز أن يتعلق ب « بَعَثْنا » ، وأن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « اثْنَيْ عَشَرَ » لأنه في الأصل صفة له ، فلما قدّم نصب حالا . وقد تقدّم الكلام في تركيب « اثْنَيْ عَشَرَ » وبنائه وحذف نونه في البقرة « 1 » فأغنى من إعادته . و « مِيثاقَ » يجوز أن يكون مضافا إلى المفعول - وهو الظاهر - أي : إن اللّه تعالى واثقهم ، وأن يكون مضافا لفاعله أي : إنهم واثقوه تعالى . والمفاعلة يجوز نسبة الفعل فيها إلى كلّ من المذكورين . والنقيب : فعيل ، قيل : بمعنى فاعل مشتقا من النّقب وهو التفتيش ، ومنه : فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ « 3 » وسمّي بذلك لأنه يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم . وقيل : هو بمعنى مفعول ، كأن القوم اختاروه على علم منهم وتفتيش على أحواله . وقيل : هو للمبالغة كعليم وخبير .

--> ( 1 ) انظر تفسير الآيتان ( 9 ، 10 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 60 ) . ( 3 ) سورة ق ، الآية ( 36 ) .