أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

488

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« مُتَجانِفٍ » بألف وتخفيف النون من تجانف . وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي « متجنّف » بتشديد النون دون ألف . قال أبو محمد بن عطية : « وهي أبلغ من « مُتَجانِفٍ » في المعنى لأنّ شدّة العين تدلّ على مبالغة وتوغل في المعنى » . و « لِإِثْمٍ » متعلق ب « مُتَجانِفٍ » واللام على بابها ، وقيل : هي بمعنى « إلى » أي : غير مائل إلى إثم ، ولا حاجة إليه . قد تقدّم معنى هذه اللفظة واشتقاقها عند قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً « 1 » وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ جملة : إمّا في محلّ جزم أو رفع على حسب ما قيل في « من » ، وكذلك القول في الفاء : إما واجبة أو جائزة ، والعائد على كلا التقديرين محذوف أي : فإن اللّه غفور له . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 4 إلى 5 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 4 ) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 5 ) وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ : قد تقدّم الكلام على « ما ذا » وما قيل فيها فليلتفت إليه « 2 » وقوله : « لَهُمْ » بلفظ الغيبة لتقدّم ضمير الغيبة في قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ » ، ولو قيل في الكلام : « ماذا أحلّ لنا » لكان جائزا على حكاية الجملة كقولك : « أقسم زيد ليضربن ولأضربن » بلفظ الغيبة والتكلم ، إلّا أنّ ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوا ، كما أنّ « لأضربنّ » يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها ، و « ما ذا أُحِلَّ » هذا الاستفهام معلّق للسؤال وإن لم يكن السؤال من أفعال القلوب ، إلا أنّه كان سبب العلم ، والعلم يعلّق ، فكذلك سببه ، وقد تقدّم تحرير القول فيه في البقرة . وقال الزمخشري هنا : « في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده « ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ » ، كأنه قيل : يقولون ماذا أحل لهم ؟ ولا حاجة إلى تضمين السؤال معنى القول لما تقدّم من أنّ السؤال يعلّق بالاستفهام كمسببه . وقال ابن الخطيب : « لو كان حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا : ماذا أحل لهم ، ومعلوم أنّ ذلك باطل لا يقولونه ، وإنما يقولون : ماذا أحلّ لنا ، بل الصحيح أنه ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم ، بل هو بيان كيفية الواقعة » . قوله : وَما عَلَّمْتُمْ في « ما » هذه ثلاثة أوجه : أحدها : أنها موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي : ما علّمتموه ، ومحلها الرفع عطفا على مرفوع ما لم يسمّ فاعله أي وأحلّ لكم صيد أو أخذ ما علّمتم ، فلا بد من حذف هذا المضاف . والثاني : أنها شرطية فمحلّها رفع بالابتداء ، والجواب قوله : « فَكُلُوا » قال الشيخ « 3 » : « وهذا أظهر لأنه لا إضمار فيه » .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 182 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 215 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 429 ) .