أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

477

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الكوفيين ، وسيأتي بيان هذا المنقطع بأكثر من هذا عند التعرّض لنصب « غَيْرَ » عن قرب . قوله تعالى : غَيْرَ في نصبه خمسة أوجه : أحدها : أنه حال من الضمير المجرور في « لَكُمْ » وهذا قول الجمهور ، وإليه ذهب الزمخشري وابن عطية وغيرهما ، وقد ضعّف هذا الوجه بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام لهم بحال كونهم غير محلّي الصيد وهم حرم ، إذ يصير معناه : « أحلّت لكم بهيمة الأنعام في حال كون انتفاء كونكم تحلّون الصيد وأنتم حرم » ، والغرض أنهم قد أحلّت لهم بهيمة الأنعام في هذه الحال وفي غيرها ، هذا إذا أريد ببهيمة الأنعام الأنعام نفسها ، وأما إذا عني بها الظباء وحمر الوحش وبقره على ما فسّره بعضهم فيظهر للتقييد بهذه الحال فائدة ، إذ يصير المعنى : أحلت لكم هذه الأشياء حال انتفاء كونكم تحلّون الصيد وأنتم حرم فهذا معنى صحيح ، ولكن التركيب الذي قدّرته لك فيه قلق . ولو أريد هذا المعنى من الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه . الوجه الثاني : - وهو قول الأخفش وجماعة - أنه حال من فاعل « أَوْفُوا » ، والتقدير : أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلّين الصيد وأنتم حرم . وقد ضعّفوا هذا المذهب من وجهين : الأول : أنه يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها بجملة أجنبية ، ولا يجوز الفصل إلا بجمل الاعتراض ، وهذه الجملة وهي قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ليست اعتراضية ، بل هي منشئة أحكاما ومبيّنة لها ، وجملة الاعتراض إنما تفيد تأكيدا وتسديدا . والثاني : أنه يلزم منه تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة فيصير التقدير كما تقدّم ، وإذا اعتبرنا مفهومه يصير المعنى : فإذا انتفت هذه الحال فلا توفوا بالعقود ، والأمر ليس كذلك ، فإنهم مأمورون بالإيفاء بالعقود على كلّ حال من إحرام وغيره . الوجه الثالث : أنه منصوب على الحال من الضمير المجرور في « عَلَيْكُمْ » أي : إلّا ما يتلى عليكم حال انتفاء كونكم محلّين الصيد . وهو ضعيف أيضا بما تقدّم من أنّ المتلوّ عليهم لا يقيّد بهذه الحال دون غيرها بل هو متلو عليهم في هذه الحال وفي غيرها . الوجه الرابع : أنه حال من الفاعل المقدّر ، يعني الذي حذف وأقيم المفعول مقامه في قوله تعالى : « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ » ، فإن التقدير عنده : أحلّ اللّه لكم بهيمة الأنعام غير محل لكم الصيد وأنتم حرم . فحذف الفاعل وأقام المفعول مقامه ، وترك الحال من الفعل باقية . وهذا الوجه فيه ضعف من وجوه . الأول : أن الفاعل المنوب عنه صار نسيا منسيّا غير ملتفت إليه ، نصّوا على ذلك ، لو قلت : « أنزل الغيث مجيبا لدعائهم » وتجعل « مجيبا » حالا من الفاعل المنوب عنه ، فإنّ التقدير : « أنزل اللّه الغيث حال إجابته لدعائهم » لم يجز فكذلك هذا ، ولا سيما إذا قيل : بأن بنية الفعل المبني للمفعول بنية مستقلة غير محلولة من بنية مبنية للفاعل كما هو قول الكوفيين وجماعة من البصريين . الثاني : أنه يلزم منه التقييد بهذه الحال إذا عنى بالأنعام الثمانية الأزواج ، وتقييد إحلاله تعالى لهم هذه الثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصيد وهم حرم ، واللّه تعالى قد أحلّ لهم هذه مطلقا . والثالث : أنه كتب « مُحِلِّي » بصيغة الجمع فكيف يكون حالا من اللّه ؟ وكأن هذا القائل زعم أن اللفظ « محلّ » من غير ياء ، وسيأتي ما يشبه هذا القول .