أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

472

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : مِنْ رَبِّكُمْ : فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة ل « بُرْهانٌ » أي : برهان كائن من ربكم . و « مِنْ » يجوز أن تكون لابتداء الغاية مجازا ، أو تبعيضية أي : من براهين ربكم . والثاني : أنه متعلق بنفس « جاء » و « مِنْ » لابتداء الغاية كما تقدم . قوله تعالى : صِراطاً : مفعول ثان ل « يهدي » لأنه يتعدى لاثنين كما تقدم تحريره . وقال جماعة منهم مكي : إنه مفعول بفعل محذوف دلّ عليه « يَهْدِيهِمْ » ، والتقدير : « يعرّفهم » . وقال أبو البقاء قريبا من هذا إلا أنه لم يضمر فعلا ، بل جعله منصوبا ب « يهدي » على المعنى ، لأنّ المعنى يعرّفهم . قال مكي في الوجه الثاني : « ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل « يهدي » أي : يهديهم صراطا مستقيما إلى ثوابه وجزائه » ولم أدر لم خصّصوا هذا الموضع دون الذي في الفاتحة « 1 » ، واحتاجوا إلى تقدير فعل أو تضمينه معنى « يعرّفهم » ؟ وأجاز أبو عليّ أن يكون منصوبا على الحال من محذوف فإنه قال : « الهاء في « إِلَيْهِ » راجعة إلى ما تقدم من اسم اللّه ، والمعنى : ويهديهم إلى صراطه ، فإذا جعلنا « صِراطاً مُسْتَقِيماً » نصبا على الحال كانت الحال من هذا المحذوف » انتهى . فتحصّل في نصبه أربعة أوجه : أحدها : أنه مفعول ب « يهدي » من غير تضمين معنى فعل آخر . الثاني : أنه على تضمين معنى « يعرفهم » . الثالث : أنه منصوب بمحذوف . الرابع : أنه نصب على الحال ، وعلى هذا التقدير الذي قدّره الفارسي تقرب من الحال المؤكدة ، وليس كقولك : « تبسّم ضاحكا » لمخالفتها لصاحبها بزيادة الصفة وإن وافقته لفظا . والهاء في « إِلَيْهِ » : إمّا عائدة على « اللّه » بتقدير حذف مضاف كما تقدم من نحو : « ثوابه » أو « صراطه » ، وإمّا على الفضل والرحمة لأنهما في معنى شيء واحد ، وإما عائدة على الفضل لأنه يراد به طريق الجنان . قوله تعالى : فِي الْكَلالَةِ : متعلق ب « يُفْتِيكُمْ » على إعمال الثاني ، وهو اختيار البصريين ، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، وله نظائر في القرآن : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ « 2 » . آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً « 3 » وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ « 4 » وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا « 5 » . وقد تقدّم الكلام فيه بأشبع من هذا في سورة

--> ( 1 ) سورة الفاتحة ، الآية ( 3 ) . ( 2 ) سورة الحاقة ، الآية ( 19 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية ( 96 ) . ( 4 ) سورة المنافقون ، الآية ( 5 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 39 ) .