أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

460

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نون التوكيد ؛ لأنّ نون التوكيد قد عهد التأكيد بها في الاستفهام باطّراد ، وفي النفي على خلاف فيه ، وأما التأكيد بلام الابتداء في النفي والاستفهام فلم يعهد البتة . وقال أيضا قبل ذلك : « وما من أهل الكتاب أحد ، وقيل : المحذوف « مِنْ » وقد مرّ نظيره ، إلا أنّ تقدير « من » هنا بعيد ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم ، و « من » الموصولة والموصوفة غير تامة » يعني أنّ بعضهم جعل ذلك المحذوف لفظ « من » فيقدّر : وإن من أهل من إلا ليؤمننّ ، فجعل موضع « أحد » لفظ « من » وقوله : « وقد مر نظيره » يعني قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ « 1 » ومعنى التنظير فيه أنه قد صرّح بلفظ « من » المقدّرة ههنا . وقرأ أبيّ : « ليؤمننّ به قبل موتهم » بضم النون الأولى مراعاة لمعنى « أحد » المحذوف ، وهو وإن كان لفظه مفردا فمعناه جمع . والضمير في « به » لعيسى . وقيل : للّه تعالى ، وقيل : لمحمد عليه السّلام . وفي « مَوْتِهِ » لعيسى . ويروى في التفسير أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلّ أحد حتى تصير الملة كلها إسلامية . وقيل : يعود على « أحد » المقدر ، أي : لا يموت كتابي حتى يؤمن بعيسى ، ونقل عن ابن عباس ذلك ، فقال له عكرمة : « أفرأيت إن خرّ من بيت أو احترق أو أكله سبع » قال : لا يموت حتى يحرّك بها شفتيه أي : بالإيمان بعيسى . وقرأ الفياض بن غزوان : « وإنّ من أهل الكتاب » بتشديد « إنّ » وهي قراءة مردودة لإشكالها . قوله : « وَيَوْمَ الْقِيامَةِ » العامل فيه « شَهِيداً » وفيه دليل على جواز تقدّم خبر « كان » عليها ، لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل . وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوبا ب « يَكُونُ » وهذا على رأي من يجيز ل « كان » أن تعمل في الظرف وشبهه . والضمير في « يَكُونُ » لعيسى ، وقيل : لمحمد عليه السّلام . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 160 إلى 162 ] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 ) قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ : هذا الجارّ متعلق ب « حَرَّمْنا » والباء سببية ، وإنما قدّم على عامله تنبيها على قبح سبب التحريم ، وقد تقدّم أنّ قوله : « فَبِظُلْمٍ » بدل من قوله : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » ، وتقدّم الردّ على قائله أيضا فأغنى عن إعادته . و « مِنَ الَّذِينَ » صفة ل « ظلم » أي : ظلم صادر من الذين هادوا . وقيل : ثمّ صفة للظلم محذوفة للعلم بها أي : فبظلم أيّ ظلم ، أو فبظلم عظيم كقوله : 1681 - فلا وأبي الطّير المربّة بالضّحى * على خالد لقد وقعت على لحم « 2 » أي : لحم عظيم . قوله : أُحِلَّتْ لَهُمْ هذه الجملة صفة ل « طَيِّباتٍ » فمحلّها نصب ، ومعنى وصفها بذلك أي : بما كانت

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية ( 199 ) . ( 2 ) تقدم .