أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

454

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله فيجب إضمار عامله وتأخيره عن الجملة المؤكّدة لها ، والتقدير : أحقّ ذلك حقا ، وهكذا كلّ مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه . والثاني : أنه حال من قوله : « هُمُ الْكافِرُونَ » قال أبو البقاء : أي : « كافرون غير شك » وهذا يشبه أن يكون تفسيرا للمصدر المؤكد . وقد طعن الواحدي على هذا التوجيه فقال : « الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه » . والجواب : أنّ الحق هنا ليس يراد به ما يقابل الباطل ، بل المراد به أنه ثابت لا محالة وأنّ كفرهم مقطوع به . الثالث : أنه نعت لمصدر محذوف أي : الكافرون كفرا حقا ، وهو أيضا مصدر مؤكد ، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول أنّ هذا عامله مذكور ، وهو اسم الفاعل وذاك عامله محذوف كما تقدم . تعالى : بَيْنَ أَحَدٍ : قد تقدّم الكلام على دخول « بَيْنَ » على « أَحَدٍ » في البقرة « 1 » فأغنى عن إعادته . وقرأ الجمهور : « سوف نؤتيهم » بنون العظمة على الالتفات ولموافقة قوله : « وَأَعْتَدْنا » . وقرأ حفص عن عاصم بالياء ، أعاد الضمير على اسم اللّه تعالى في قوله : « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ » . وقول بعضهم : قراءة النون أولى لأنها أفخم ، ولمقابلة « وَأَعْتَدْنا » ليس بجيد لتواتر القراءتين . قوله تعالى : فَقَدْ سَأَلُوا : في هذه الفاء قولان : أحدهما : أنها عاطفة على جملة محذوفة ، قال ابن عطية : « تقديره : فلا تبال يا محمد بسؤالهم وتشطيطهم فإنها عادتهم ، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك » . والثاني : أنها جواب شرط مقدر ، قاله الزمخشري أي : إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا » . و « أَكْبَرَ » صفة لمحذوف أي : سؤالا أكبر من ذلك . والجمهور : « أَكْبَرَ » بالباء الموحدة ، وقراءة الحسن « أكثر » بالثاء المثلثة . وقوله : « فَقالُوا أَرِنَا » هذه الجملة مفسرة لكبر السؤال وعظمته . و « جَهْرَةً » تقدّم الكلام عليها « 2 » ، إلا أنه هنا يجوز أن تكون « جَهْرَةً » من صفة القول أو السؤال أو من صفة السائلين أي : فقالوا مجاهرين أو : سألوا مجاهرين ، فيكون في محلّ نصب على الحال أو على المصدر . وقرأ الجمهور « الصَّاعِقَةُ » . وقرأ النخعي : « الصّعقة » وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة « 3 » . و « بِظُلْمِهِمْ » الباء فيه سببية ، وتتعلق بالأخذ . قوله تعالى : فَوْقَهُمُ : فيه وجهان : الظاهر منهما أنه متعلق ب « رَفَعْنا » ، وأجاز أبو البقاء وجها ثانيا وهو أن يكون متعلقا بمحذوف لأنه حال من الطور . و « بِمِيثاقِهِمْ » متعلق أيضا بالرفع ، والباء للسببية ، قالوا : وفي الكلام حذف مضاف تقديره : بنقض ميثاقهم . وقال الزمخشري : « بِمِيثاقِهِمْ » بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه » ، وظاهر هذه العبارة أنه لا يحتاج إلى حذف مضاف ، بل أقول : لا يجوز تقدير هذا المضاف لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق فرفع اللّه الطور عليهم عقوبة على فعلهم النقض ، والقصة تقتضي أنّهم همّوا بنقض الميثاق ، فرفع اللّه عليهم الطور ، فخافوا فلم ينقضوه ، وإن كانوا قد نقضوه بعد ذلك . وقد صرّح أبو البقاء بأنهم نقضوا الميثاق ، وأنه تعالى رفع الطور عقوبة لهم فقال :

--> ( 1 ) انظر الآية ( 136 ) . ( 2 ) انظر الآية ( 55 ) . ( 3 ) انظر الآية ( 55 ) .