أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
446
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 142 إلى 144 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) وقوله تعالى : يُخادِعُونَ : قد تقدّم اشتقاقه ومعنى المفاعلة فيه أول البقرة « 1 » . قوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ فيها ثلاثة أوجه : أحدها : - ذكره أبو البقاء - وهو أنّها نصب على الحال . والثاني : أنها في محل رفع عطفا على خبر « إِنَّ » . والثالث : أنها استئناف إخبار بذلك . قال الزمخشري : « وخادع » اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته كنت أخدع منه . قوله : « وَإِذا قامُوا » عطف على خبر « إِنَّ » أخبر عنهم بهذه الصفات الذّميمة . و « كُسالى » نصب على الحال من ضمير « قامُوا » الواقع جوابا . والجمهور على ضم الكاف ، وهي لغة أهل الحجاز . وقرأ الأعرج بفتحها ، وهي لغة تميم وأسد ، وقرأ ابن السّميفع : « كسلى » وصفهم بما توصف به المؤنثة المفردة اعتبارا بمعنى الجماعة كقوله : « وَتَرَى النَّاسَ سُكارى » « 2 » والكسل : الفتور والتواني ، وأكسل : إذا جامع وفتر ولم ينزل . قوله : يُراؤُنَ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها حال من الضمير المستتر في « كُسالى » . الثاني : أنها بدل من « كُسالى » ذكره أبو البقاء ، فيكون حالا من فاعل « قامُوا » وفيه نظر ، لأنّ الثاني ليس الأول ولا بعضه ولا مشتملا عليه . الثالث : أنها مستأنفة أخبر عنهم بذلك . وأصل يراؤون : يرائيون فأعلّ كنظائره . والجمهور على « يُراؤُنَ » من المفاعلة قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ قلت : لها وجهان : أحدهما : أنّ المرائي يريهم عمله وهم يرونه الاستحسان . والثاني : أن تكون من المفاعلة بمعنى التفعيل ، يقال : نعّمه وناعمه ، وفنّقه « 3 » وفانقه ، وعيش مفانق ، وروى أبو زيد : « رأت المرأة المرآة » إذا أمسكتها له ليرى وجهه ، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق : « يرؤّونهم » بهمزة مشددة مثل : يدعّونهم ، أي : يبصّرونهم ويراؤونهم كذلك ، يعني أنّ قراءة « يرؤّونهم » من غير ألف بل بهمزة مضمومة مشددة توضّح أنّ المفاعلة هنا بمعنى التفعيل . قال ابن عطية : « وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من يُراؤُنَ » في المعنى ؛ لأنّ معناها يحملون الناس على أن يروهم ، ويتظاهرون لهم بالصلاة ويبطنون النفاق » وهذا منه ليس بجيد ؛ لأنّ المفاعلة إن كانت على بابها فهي أبلغ لما عرف غير مرة ، وإن كانت بمعنى التفعيل فهي وافية بالمعنى الذي أراده ، وكأنه لم يعرف أنّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل . ومتعلّق المراءاة محذوف ليعمّ كلّ ما يراءى
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 9 ) . ( 2 ) سورة الحج ، الآية ( 2 ) . ( 3 ) أفنق : تنعم .