أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

443

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا : أي : داواموا على الإيمان ، أو يراد بالذين آمنوا جميع الناس ، وذلك يوم أخذ عليهم الميثاق . وقرأ نافع والكوفيون : « وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ » على بناء الفعلين للفاعل ، وهو اللّه تعالى ، والباقون على بنائهما للمفعول ، والقائم مقام الفاعل ضمير الكتاب . وقال الزمخشري : « فإن قلت » لم قال : « نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ، أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ؟ » قلت : لأنّ القرآن نزل منجّما مفرّقا في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله » . وقد تقدّم [ البحث ] معه في ذلك ، وأن التضعيف في « نَزَّلَ » للتعدية مرادف للهمزة لا للتكثير . وقوله : « فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا » ليس جوابا للأشياء الثلاثة ، بل المعنى : ومن يكفر بواحد منها . وقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ : كقوله : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ « 1 » ، وقد تقدّم تحقيق القول فيه ومذاهب الناس وأن لام الجحود تفيد التوكيد ، والفرق بين قولك : « ما كان زيد يقوم » ، و « ما كان ليقوم » . والفاء في قوله تعالى : فَإِنَّ الْعِزَّةَ : لما في الكلام من معنى الشرط ، إذ المعنى : إن تبتغوا من هؤلاء عزة . و « جَمِيعاً » حال من الضمير المستكنّ في قوله « لِلَّهِ » لوقوعه خبرا . قوله : « الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ » يجوز فيه النصب والرفع ، فالنصب من وجهين ، أحدهما : كونه نعتا للمنافقين . والثاني : أنه نصب بفعل مضمر أي : أذمّ الذين ، والرفع على خبر مبتدأ محذوف أي : هم الذين . قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ قرأ الجماعة : « نَزَّلَ » مبنيا للمفعول ، وعاصم قرأه مبنيا للفاعل ، وأبو حيوة وحميد « نزل » مخففا مبنيا للفاعل ، والنخعي « أنزل » بالهمزة مبنيا للمفعول . والقائم مقام الفاعل في قراءة الجماعة والنخعي هو « أَنْ » وما في حيّزها أي : وقد نزّل عليكم المنع من مجالستهم عند سماعكم الكفر بالآيات والاستهزاء بها . وأمّا في قراءة عاصم ف « أن » مع ما بعدها في محل نصب مفعولا به ب « نَزَّلَ » ، والفاعل ضمير اللّه تعالى كم تقدم . وأما في قراءة أبي حيوة وحميد فمحلّها رفع بالفاعلية ل « نزل » مخففا ، فمحلها : إمّا نصب على قراءة عاصم أو رفع على قراءة غيره ، ولكن الرفع مختلف . و « أن » هذه هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن » ، أي : أنّ الأمر والشأن إذا سمعتم الكفر والاستهزاء فلا تقعدوا . قال الشيخ « 2 » : « وما قدّره أبو البقاء من قوله : « أنكم إذا سمعتم » ليس بجيد ، لأن « أن » المخففة لا تعمل إلّا في ضمير الشأن ، إلا في ضرورة كقوله : 1670 - فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني * طلاقك لم أبخل وأنت صديق « 3 » هكذا قال ، ولم أره أنا في إعراب أبي البقاء إلا أنه بالهاء دون الكاف والميم . والجملة الشرطية المتعقدة من « إِذا » وجوابها في محل رفع خبرا ل « أَنْ » ، ومن مجيء الجملة الشرطية خبرا ل « أَنْ » المخففة قوله : 1671 - فعلمت أن ما تتّقوه فإنّه * جزر لخامعة وفرخ عقاب « 4 » ف « ما » شرطية و « فإنه » جوابها ، والجملة خبر ل « أن » المخففة .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية ( 179 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 374 ) . ( 3 ) انظر البيت في الخزانة ( 2 / 465 ) ، الهمع ( 1 / 143 ) ، ابن - - يعيش ( 7 / 71 ) ، الانصاف ( 205 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 120 ) . ( 4 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 374 ) .