أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

436

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وإن خافت امرأة خافت » ، ونحوه : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ « 1 » . واستدلّ البصريون على مذهبهم بأن الفعل قد جاء مجزوما بعد الاسم الواقع بعد أداة الشرط في قول عدي : 1670 - ومتى واغل ينبهم يحيّو * ه وتعطف عليه كأس السّاقي « 2 » و مِنْ بَعْلِها يجوز أن يتعلّق ب « خافَتْ » وهو الظاهر ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من « نُشُوزاً » إذ هو في الأصل صفة نكرة فلمّا قدّم عليها تعذّر جعله صفة فنصب حالا . و « فَلا » جواب الشرط . قوله : أَنْ يُصْلِحا قرأ الكوفيون : « يُصْلِحا » من أصلح ، وباقي السبعة « يصّالحا » بتشديد الصاد بعدها ألف ، وقرأ عثمان « 3 » البتي والجحدري : « يصّلحا » بتشديد الصاد من غير ألف ، وعبيدة السلماني : « يصالحا » بضمّ الياء وتخفيف الصاد وبعدها ألف من المفاعلة ، وابن مسعود والأعمش : « أن اصّالحا » . فأمّا قراءة الكوفيين فواضحة ، وقراءة باقي السبعة أصلها « يتصالحا » ، فأريد الإدغام تخفيفا فأبدلت التاء صادا وأدغمت ، وأمّا قراءة عثمان فأصلها : « يصطلحا » فخفّف بإبدال الطاء المبدلة من تاء الافتعال صادا وإدغامها فيما بعدها . وقال أبو البقاء : « وأصله : « يصتلحا » فأبدلت التاء صادا وأدغمت فيها الأولى » وهذا ليس بجيد ، لأنّ تاء الافتعال يجب قلبها طاء بعد الأحرف الأربعة كما تقدّم تحقيقه في البقرة ، فلا حاجة إلى تقديرها تاء ، لأنه لو لفظ بالفعل مظهرا لم يلفظ فيه بالتاء إلا بيانا لأصله . وأمّا قراءة عبيدة فواضحة لأنها من المصالحة . وأما قراءة « يصطلحا » فأوضح . ولم يختلف في « صُلْحاً » مع اختلافهم في فعله . زفي نصبه أوجه : فإنه على قراءة الكوفيين يحتمل أن يكون مصدرا ، وناصبه : إمّا الفعل المتقدم وهو مصدر على حذف الزوائد ، وبعضهم يعبّر عنه بأنه اسم مصدر كالعطاء والنبات ، وإمّا فعل مقدر أي : فيصلح حالهما صلحا . وفي المفعول على هذين التقديرين وجهان : أحدهما : أنه « بَيْنَهُما » اتسّع في الظرف فجعل مفعولا به . والثاني : أنه محذوف و « بَيْنَهُما » ظرف أو حال من « صُلْحاً » فإنه صفة له في الأصل . ويحتمل أن يكون نصب « صُلْحاً » على المفعول به إن جعلته اسما للشيء المصطلح عليه كالعطاء بمعنى المعطى ، والنبات بمعنى المنبت . وأمّا على بقية القراءات فيجوز أن يكون مصدرا على أحد التقديرين المتقدمين : أعني كونه اسم المصدر ، أو كونه على حذف الزوائد ، فيكون واقعا موقع « تصالحا أو اصطلاحا أو مصالحة » حسب القراءات المتقدمة ، ويجوز أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر أي : بصلح أي بشيء يقع بسبب المصالحة ، إذا جعلناه اسما للشيء المصطلح عليه . والحاصل أنه في بقية القراءات ينتفي عنه وجه المفعول به المذكور في قراءة الكوفيين ، وتبقى الأوجه الباقية جائزة في سائر القراءات . قوله : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مبتدأ وخبر ، وهذه الجملة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها : « إنهما اعتراض »

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية ( 6 ) . ( 2 ) انظر البيت في ملحقات ديوانه ( 156 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 113 ) ، والمتصب ( 2 / 76 ) ، وشرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 110 ) ، الانصاف ( 2 / 617 ) ، والهمع - - ( 2 / 59 ) ، وأمالي ابن الشجري ( 2 / 332 ) ، والدرر ( 2 / 75 ) . ( 3 ) عثمان بن مسلم البتي أبو عمرو البصري صدوق . انظر التقريب ( 2 / 14 ) .