أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
430
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« يَعْمَلْ » . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم : « يَدْخُلُونَ » منا وفي مريم « 1 » وأول غافر « 2 » بضم حرف المضارعة وفتح الخاء مبنيا للمفعول ، وانفرد ابن كثير وأبو بكر بثانية غافر « 3 » ، وأبو عمرو بالتي في فاطر « 4 » ، والباقون بفتح حرف المضارعة وضمّ الخاء مبنيا للفاعل ، وذلك للتفنّن في البلاغة ، وقد يظهر فروق لا يسعها هذا الكتاب . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 127 ] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 ) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً ( 127 ) قوله تعالى : مِمَّنْ أَسْلَمَ : متعلّق ب « أَحْسَنُ » فهي « من » الجارة للمفضول ، و « لِلَّهِ » متعلق ب « أَسْلَمَ » ، وأجاز أبو البقاء أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « وَجْهَهُ » وفيه نظر لا يخفى . « وَهُوَ مُحْسِنٌ » حال من فاعل « أَسْلَمَ » ، و « اتَّبَعَ » يجوز أن يكون عطفا على « أَسْلَمَ » وهو الظاهر ، وأن يكون حالا ثانية من فاعل « أَسْلَمَ » بإضمار « قد » عند من يشترط ذلك ، وقد تقدّم الكلام على حنيفا » في البقرة « 5 » ، إلا أنه يجوز هنا أن يكون حالا من فاعل « اتَّبَعَ » . قوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا فيه وجهان ، وذلك أن « اتَّخَذَ » إن عدّيناها لاثنين كان مفعولا ثانيا وإلّا كان حالا ، وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر نبّهت على شرف المتبوع وأنه جدير بأن يتّبع لاصطفاء اللّه له بالخلّة ، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتها صلة للموصول . وجعلها الزمخشري جملة معترضة قال : « فإن قلت ما محلّ هذه الجملة ؟ قلت : لا محلّ لها من الإعراب لأنها من جمل الاعتراضات نحو ما يجيء في الشعر من قولهم « والحوادث جمّة » فائدتها تأكيد وجوب اتّباع ملّته ، لأنّ من بلغ من الزّلفى عند اللّه أن اتّخذه خليلا كان جديرا بأن يتّبع » فإن عنى بالاعتراض المصطلح عليه فليس ثمّ اعتراض ، إذ الاعتراض بين متلازمين كفعل وفاعل ومبتدأ وخبر وشرط وجزاء وقسم وجواب ، وإن عنى غير ذلك احتمل ، إلا أنّ تنظيره بقولهم : « والحوادث جمّة » يشعر بالاعتراض المصطلح عليه ؛ فإن قولهم « والحوادث جمة » ورد في بيتين : أحدهما بين فعل وفاعل كقوله : 1664 - وقد أدركتني والحوادث جمّة * أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل « 6 » والآخر يحتمل ذلك ، على أن تكون الباء زائدة في الفاعل كقوله :
--> ( 1 ) انظر الآية ( 60 ) . ( 2 ) انظر الآية ( 40 ) . ( 3 ) انظر الآية ( 60 ) . ( 4 ) انظر الآية ( 33 ) . ( 5 ) انظر الآية ( 35 ) . ( 6 ) تقدم .