أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
42
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« شَهِدَ » . قال الزمخشري : وانتصابه على أنّه حال مؤكّدة منه كقوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً . قال الشيخ « 1 » : « وليس من باب الحال المؤكدة لأنه ليس من باب : وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا « 2 » ولا من باب : « أنا عبد اللّه شجاعا » فليس « قائِماً بِالْقِسْطِ » بمعنى شهد ، وليس مؤكدا لمضمون الجملة السابقة في نحو : أنا عبد اللّه شجاعا وهو زيد شجاعا ، لكن في هذا التخريج قلق في التركيب ، إذ يصير كقولك : « أكل زيد طعاما وعائشة وفاطمة جائعا » فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول ، وبين الحال وذي الحال بالمفعول والمعطوف ، لكن بمشيئة كونها كلّها معمولة لعامل واحد . » انتهى . قلت : مؤاخذته له في قوله : « مؤكدة » غير ظاهر ، وذلك أنّ الحال على قسمين : إمّا مؤكدة وإمّا مبيّنة ، وهي الأصل ، فالمبيّنة لا جائز أن تكون ههنا ، لأنّ المبيّنة تكون منتقلة ، والانتقال هنا محال ، إذ عدل اللّه تعالى لا يتغيّر ، فإن قيل لنا قسم ثالث ، وهي الحال اللازمة فكان للزمخشري مندوحة عن قوله « مؤكدة » إلى قوله « لازمة » فالجواب أنّ كلّ مؤكدة لازمة وكلّ لازمة مؤكدة فلا فرق بين العبارتين ، وإن كان الشيخ زعم أنّ إصلاح العبارة يحصل بقوله : « لازمة » ، ويدلّ على ما ذكرته من ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الاستقراء . قوله : « ليس معنى قائما بالقسط معنى شهد » ممنوع بل معنى « شَهِدَ » مع متعلّقه - وهو أنه لا إله إلا هو - مساو لقوله « قائِماً بِالْقِسْطِ » لأنّ التوحيد ملازم للعدل . ثم قال الزمخشري : فإن قلت : لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ، ولو قلت : « جاءني زيد وعمرو راكبا » لم يجز ؟ قلت : « إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً « 3 » إن انتصب « نافلة » حالا عن « يعقوب » ولو قلت : « جاءني زيد وهند راكبا » جاز لتميّزه بالذّكورة . قال الشيخ « 4 » : « وما ذكره من قوله : « جاءني زيد وعمرو راكبا » إنه لا يجوز ليس كما ذكر ، بل هذا جائز لأنّ الحال قيد فيمن وقع منه أو به الفعل أو ما أشبه ذلك ، وإذا كان قيدا فإنه يحمل على أقرب مذكور ، ويكون « راكبا حالا ممّا يليه ، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة ، لو قلت : « جاءني زيد وعمرو الطويل » كان « الطويل » صفة لعمرو ، ولا تقول : لا تجوز هذه المسألة للّبس ، إذ لا لبس في هذا وهو جائز ، وكذلك الحال . وأمّا قوله : « إنّ نافلة » انتصب حالا عن يعقوب » فلا يتعيّن أن يكون حالا عن يعقوب ؛ إذ يحتمل أن يكون « نافلة » مصدرا كالعاقبة والعافية ، ومعناه : « زيادة ، فيكون ذلك شاملا لإسحاق ويعقوب لأنهما زيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره » قلت : مراد الزمخشري بمنع « جاءني زيد وعمرو راكبا » إذا أريد أنّ الحال منهما معا ، أمّا إذا أريد أنها حال من واحد منهما فإنّما تجعل لما تليه ، لعود الضمير على أقرب مذكور ، وبعضهم جعله من « هُوَ » قال الزمخشري : « فإن قلت : قد جعلته حالا من فاعل « شَهِدَ » فهل يصحّ أن ينتصب حالا عن « هُوَ » في « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ؟ قلت : نعم لأنها حال مؤكدة ، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة - التي هي زيادة في فائدتها - عامل فيها كقولك : « أنا عبد اللّه شجاعا » . انتهى . يعني أنّ الحال المؤكّدة لا يكون العامل فيها النصب شيئا من الجملة السابقة قبلها ، إنما ينتصب بعامل مضمر ، فإن كان المتكلم مخبرا عن نفسه نحو : « أنا عبد اللّه شجاعا » قدّرته : أحقّ شجاعا ، مبنيا للمفعول ، وإن كان مخبرا عن غيره قدّرته مبنيا للفاعل نحو : « هذا عبد اللّه شجاعا » أي : أحقّه ، هذا هو المذهب المشهور في نصب مثل هذه الحال . وفي المسألة قولان لأبي إسحاق أنّ
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 403 . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 15 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 72 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 406 .