أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

415

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

شهرين » . وفيه نظر لأنّ الاستعمال المعروف في ذلك أن يقال : « صمت شهرين ويومين » ، ولا يقولون : صمت صوم - ولا صيام - شهرين . قوله : تَوْبَةً في نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله تقديره : شرع ذلك توبة منه . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون العامل « صوم » إلّا على حذف مضاف ، أي : لوقوع توبة أو لحصول توبة » يعني أنه إنما احتاج إلى تقدير ذلك المضاف ولم يقل إن العامل هو الصيام ؛ لأنه اختلّ شرط من شروط نصبه ؛ لأنّ فاعل الصيام غير فاعل التوبة . الثاني : أنها منصوبة على المصدر أي : رجوعا منه إلى التسهيل حيث نقلكم من الأثقل إلى الأخفّ ، أو توبة منه أي : قبولا منه ، من تاب عليه إذا قبل توبته ، فالتقدير : تاب عليكم توبة . الثالث : أنها منصوبة على الحال ولكن على حذف مضاف تقديره : فعليه كذا حال كونه صاحب توبة ، ولا يجوز ذلك من غير تقدير هذا المضاف لأنك لو قلت : « فعليه صيام شهرين تائبا من اللّه » لم يجز . و « مِنَ اللَّهِ » في محلّ نصب لأنه صفة ل « تَوْبَةً » فيتعلّق بمحذوف . و مُتَعَمِّداً : حال من فاعل « يَقْتُلْ » ، وروي عن الكسائي سكون التاء كأنه فرّ من توالي الحركات . و « خالِداً » نصب على الحال من محذوف ، وفيه تقديران : أحدهما : « يجزاها خالدا فيها » ، فإن شئت جعلته حالا من الضمير المنصوب أو المرفوع ، والثاني : « جازاه » بدليل « وغضب اللّه عليه ولعنه » فعطف الماضي عليه ، فعلى هذا هي حال من الضمير المنصوب لا غير ، ولا يجوز أن تكون حالا من الهاء في « جزاؤه » لوجهين : أحدهما : أنه مضاف إليه ، ومجيء الحال من المضاف إليه ضعيف أو ممتنع . والثاني : أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو خير المبتدأ الذي هو « جَهَنَّمُ » . قوله تعالى : فَتَبَيَّنُوا : قرأ الأخوان من التثبّت ، والباقون من البيان ، قيل : هما متقاربان لأن من تثبّت في الشيء تبينه ، قاله أبو عبيد ، وصحّحه ابن عطية . وقال الفارسي : « التثبّت هو خلاف الإقدام والمراد التّأنّي ، والتثبت أشد اختصاصا بهذا الموضع ، يدل عليه قوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً « 1 » أي : أشدّ وقعا لهم عمّا وعظوا به بأن لا يقدموا عليه » فاختار قراءة الأخوين . وعكس قوم فرجّحوا قراءة الجماعة قالوا : لأن المتثبّت قد لا يتبيّن ، وقال الراغب : « لأنه قلّ ما يكون إلا بعد تثبّت ، وقد يكون التثبت ولا تبيّن ، وقد قوبل بالعجلة في قوله عليه السّلام : « التبيّن من اللّه والعجلة من الشيطان » « 2 » . قلت : فهذا يقوي قراءة الأخوين أيضا . وتفعّل في كلتا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب أي : اطلبوا التثبت أو البيان . وقوله : لِمَنْ أَلْقى اللام للتبليغ هنا ، و « من » موصولة . أو موصوفة ، و « أَلْقى » هنا ماضي اللفظ ، إلا أنه

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 66 ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني ( 26 / 79 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 350 ) مرسلا .