أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

413

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ : قد تقدّم نظير هذا التركيب : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ « 1 » . و « إِلَّا خَطَأً » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه استثناء منقطع - وهو قول الجمهور - إن أريد بالنفي معناه ، ولا يجوز أن يكون متصلا إذ يصير المعنى : إلا خطأ فله قتله . والثاني : أنه متصل إن أريد بالنفي التحريم ، ويصير المعنى : إلا خطأ بأن عرفه كافرا فقتله ثم كشف الغيب أنه كان مؤمنا . الثالث : أنه استثناء مفرغ ، ثم في نصبه ثلاثة احتمالات : الأول : أنه مفعول له أي : ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده . الثاني : أنه حال أي : ما ينبغي له أن يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ . الثالث : أنه نعت مصدر محذوف أي : إلا قتلا خطأ ، ذكر هذه الاحتمالات الزمخشري . الرابع من الأوجه : أن تكون « إِلَّا » بمعنى « ولا » والتقدير : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ ، ذكره بعض أهل العلم ، حكى أبو عبيدة عن يونس قال : سألت رؤبة بن العجاج عن هذه الآية فقال : « ليس له أن يقتله عمدا ولا خطأ » ، فأقام « إلا » مقام الواو ، وهو كقول الشاعر : 1646 - وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان « 2 » إلا أن الفراء ردّ هذا القول بأن مثل ذلك لا يجوز ، إلا إذا تقدّمه استثناء آخر فيكون الثاني عطفا عليه كقوله : 1647 - ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلّا دار مروانا « 3 » وهذا رأي الفراء ، وأمّا غيره فيزعم أن « إلا » تكون عاطفة بمعنى الواو من غير شرط ، وقد تقدّم تحقيق هذا في قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ « 4 » . والجمهور قرأ « خَطَأً » مهموزا بوزن « نبأ » ، والزهري : « خطا » بوزن عصا ، وفيها تخريجان : أحدهما : أنه حذف لام الكلمة تخفيفا ، كما حذفوا لام دم ويد وأخ وبابها .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 114 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 150 ) .