أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
4
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ جمهور الناس : « ألم اللَّهُ » بفتح الميم وإسقاط همزة الجلالة ، واختلفوا في فتحة هذه الميم على أقوال : أحدها : أنها حركة التقاء ساكنين وهو مذهب سيبويه « 1 » وجمهور الناس . فإن قيل : أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه ؟ فالجواب أنهم لو كسروا لكان ذلك مفضيا إلى ترقيق لام الجلالة ، والمقصود تفخيمها للتعظيم فأوثر الفتح لذلك . وأيضا فقبل الميم ياء وهي أخت الكسرة وأيضا فقبل هذه الياء كسرة فلو كسرنا الميم الآخرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاثة متجانسات فحركوها بالفتح كما حركوا في نحو « من اللّه » وأما سقوط الهمزة فواضح وبسقوطها التقى الساكنان . الثاني : أن الفتحة لالتقاء الساكنين أيضا ، ولكن الساكنان هما الياء التي قبل الميم والميم الأخيرة فحركت بالفتح لئلا يلتقي ساكنان ، ومثله : أين وكيف وكيت وديت وما أشبهة وهذا على قولنا إنه لم ينو الوقوف على هذه الحروف المقطعة ، وهذا بخلاف القول الأول فإنه منوي فيه الوقف على الحروف المقطعة فسكنت أواخرها وبعدها ساكن آخر وهو لام الجلالة ، وعلى هذا القول الثاني ليس لإسقاط الهمزة تأثير في التقاء الساكنين بخلاف الأول ، فإن التقاء الساكنين إنما نشأ من حذفها درجا . الثالث : أن هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين ؛ بل هي حركة نقل أي : نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو قَدْ أَفْلَحَ « 2 » وهي قراءة ورش وحمزة في بعض طرقه في الوقف ، وهو مذهب الفراء واحتج على ذلك بأن هذه الحروف النية بها الوقف وإذا كان النية بها الوقف فتكن أواخرها والنية بما بعدها الابتداء والاستئناف فكان همزة الوصل جرت مجرى همزة القطع إذ النية بها الابتداء ، وهي تثبت ابتداء ليس إلا فلما كانت الهمزة في حكم الثابتة وما قبلها ساكن صحيح قابل لحركتها خففوها بأن ألقوا حركتها على الساكن قبلها . وقد رد بعضهم قول الفراء بأن وضع هذه الحروف على الوقف لا يوجب قطع ألف الوصل وإثباتها في المواضع التي تسقط فيها وأنت إذا ألقيت حركتها على الساكن قبلها فقد وصلت الكلمة التي هي فيها بما قبلها وإن كان ما قبلها موضوعا على الوقف فقولك : « ألقيت حركته عليه » بمنزلة قولك « وصلته » ألا ترى أنك إذا خففت « من أبوك » قلت : « من بوك » فوصلت ولو وقفت لم تلق الحركة عليها وإذا وصلتها بما قبلها لزم إسقاطها وكان إثباتها مخالفا لأحكامها في سائر متصرفاتها . قلت : هذا الرد مردود بأن ذلك معامل الموقوف عليه ، والابتداء بما بعده لا أنه موقوف عليه ومبتدأ بما بعده حقيقة حتى يرد عليه بما ذكره . وقد قوّى جماعة قول الفراء بما حكاه سيبويه من قولهم : « ثلثهربعة » . والأصل : ثلاثة أربعة « 3 » فلما وقف على « ثلاثة » أبدل التاء هاء كما هو اللغة المشهورة ثم أجرى الوصل مجرى
--> ( 1 ) قال سيبويه في الكتاب 4 / 153 ، « . . . والفتح في حرفين : أحدهما قوله عز وجل ألم . اللَّهُ لما كان من كلامهم أن يفتحوا لالتقاء الساكنين فتحوا هذا وفرقوا بينه وبين ما ليس بهجاء . ونظير ذلك قولهم : « من اللّه ، ومن الرسول ، ومن المؤمنين لما كثرت في كلامهم ولم تكن فعلا ، وكان الفتح أخف عليهم فتحوا ، وشبهوها بأين وكيف . . . » ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية ( 1 ) . ( 3 ) قال سيبويه في الكتاب 3 / 265 ، : « وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول : ثلاثة أربعة ، طرح همزة أربعة على -