أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
397
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
خشية اللّه بمعنى : مثل ما يخشى اللّه . قلت : أبى ذلك قوله « أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً » ؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد ، ولو قلت : « يخشون الناس أشدّ خشية » لم يكن إلا حالا من ضمير الفريق ، ولم ينتصب انتصاب المصدر لأنك لا تقول : « خشي فلان أشدّ خشية » فتنصب « خَشْيَةً » وأنت تريد المصدر ، إنما تقول « أَشَدَّ خَشْيَةً » فتجرّها ، وإذا نصبتها لم يكن « أَشَدَّ خَشْيَةً » إلا عبارة عن الفاعل حالا منه ، اللهم إلا أن تجعل الخشية خاشية على حدّ قولهم : « جدّ جده » فتزعم أنّ معناه : يخشون الناس خشية مثل خشية أشدّ خشية من خشية اللّه ، ويجوز على هذا أن يكون محلّ « أَشَدَّ » مجرورا عطفا على « كَخَشْيَةِ اللَّهِ » تريد كخشية اللّه أو كخشية أشدّ منها » . انتهى . ويجوز نصب « خَشْيَةً » على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف ، وينتصب « أَشَدَّ » حينئذ على الحال من « خَشْيَةً » لأنه في الأصل نعت نكرة قدّم عليها ، والأصل : يخشون الناس مثل خشية اللّه أو خشية أشدّ منها . فلا ينتصب « خَشْيَةً » تمييزا حتى يلزم منه ما ذكره الزمخشري ويعتذر عنه ، وقد تقدّم نحو من هذا عند قوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً « 1 » . والمصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي : كخشيتهم اللّه . و « أو » تحتمل الأوجه المذكورة في قوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً « 2 » ويجوز أن تكون للتنويع : يعني أن منهم من يخشاهم كخشية اللّه ، ومنهم من يخشاهم أشدّ خشية من خشية اللّه . و « لَوْ لا أَخَّرْتَنا » « لَوْ لا » تحضيضية . وقرأ ابن كثير والأخوان : « لا يظلمون » بالغيبة جريا على الغائبين قبله ، والباقون بالخطاب التفاتا . « وفتيلا » قد تقدّم إعرابه « 3 » . قوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا : « أين » اسم شرط يجزم فعلين و « ما » زائدة على سبيل الجواز مؤكدة لها ، و « أين » ظرف مكان و « تَكُونُوا » مجزوم بها ، و « يُدْرِكْكُمُ » جوابه . والجمهور على جزمه ؛ لأنه جواب الشرط ، وطلحة بن سليمان « 4 » . « يُدْرِكْكُمُ » برفعه ، فخرّجه المبرد على حذف الفاء أي : فيدرككم الموت . ومثله قول الآخر . 1618 - يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنّك إن يصرع أخوك تصرع « 5 » وهذا تخريج المبرد . وسيبويه « 6 » يزعم أنه ليس بجواب ، إنما هو دالّ على الجواب والنية به التقديم . وفي البيت تخريج آخر وهو أن يكون « يصرع » المرفوع خبرا ل « إنك » والشرط معترض بينهما ، وجوابه ما دلّ عليه قوله « إنك تصرع » كقوله : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ « 7 » وخرّجه الزمخشري على التوهّم فإنه قال : « يجوز أن يقال : حمل على ما يقع موقع « أَيْنَما تَكُونُوا » وهو « أينما كنتم » كما حمل : 1619 - - . . . * ولا ناعب . . . « 8 » على ما يقع موقع « ليسوا مصحلين » وهو « ليسوا بمصلحين » فرفع كما رفع زهير :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 200 ) . ( 2 ) سورة البقرة الآية ( 74 ) . ( 3 ) انظر سورة النساء ، الآية ( 49 ) . ( 4 ) طلحة بن سليمان السمان مقرىء أخذ القراءة عرضا عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف وله شواذ تروى عنه . انظر غاية النهاية ( 1 / 341 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر الكتاب ( 1 / 436 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، الآية ( 70 ) . ( 8 ) جزء بيت وهو بتمامه : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلّا يبين غرابها وقد تقدم .