أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

39

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نعتا له على كلا التقديرين ، فيجوز أن يكون في محلّ نصب وأن يكون في محل جر ، وإن قدّرته مرفوع المحل تعيّن نصب « الصَّابِرِينَ » بإضمار أعني . والأسحار جمع « سحر » بفتح العين وسكونها . واختلف أهل اللغة في السّحر : أيّ وقت هو ؟ فقال جماعة منهم الزجاج : « إنه الوقت قبل طلوع الفجر » ، ومنه « تسحّر » أي أكل في ذلك الوقت ، وأسحر إذا سار فيه ، قال زهير : 1202 - بكرن بكورا واستحرن بسحرة * فهنّ ووادي الرّسّ كاليد للفم « 1 » قال الراغب : « السّحر : اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار ، وجعل اسما لذلك الوقت ، ويقال : « لقيته بأعلى سحرين » ، والمسحر : الخارج سحرا ، والسّحور : اسم للطعام المأكول سحرا ، والتسحّر أكله » والمستحر : الطائر الصّيّاح في السّحر ، قال : 1203 - يعلّ به برد أنيابها * إذا غرّد الطّائر المستحر « 2 » وقال بعضهم : « أسحر الطّائر أي : صاح وتحرّك في صياحه » وأنشد البيت . وهذا وإن كان مطلقا ، وإنما يريد ما ذكرته بالصّياح في السحر ، ويقال : أسحر الرجل : أي دخل في وقت السّحر كأظهر أي : دخل في وقت الظّهر ، قال : 1204 - وأدلج من طيبة مسرعا * فجاء إلينا وقد أسحرا « 3 » ومثله : « استحر » أيضا : وقال بعضهم : السّحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر » وقال بعضهم أيضا : « السّحر عند العرب من آخر الليل ، ثم يستمر حكمه إلى الإسفار ، كلّه يقال له : سحر » . قيل : وسمّي السّحر سحرا لخفائه ، ومنه قيل : للسّحر : سحر للطفه وخفائه . والسّحر بسكون الحاء منتهى قصبة الرئة ، ومنه قول أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها : « مات بين سحري ونحري » « 4 » سمّي بذلك لخفائه ، و « سحر » فيه كلام كثير ، بالنسبة إلى الصرف وعدمه ، والتصرف وعدمه ، والإعراب وعدمه ، يأتي تفصيلها إن شاء اللّه تعالى عند ذكره إذ هو الأليق به . وقوله : وَالصَّادِقِينَ وما عطف عليه . إن قيل : كيف دخلت الواو على هذه الصفات وكلّها لقبيل واحد ؟ ففيه جوابان : أحدهما أنّ الصفات إذا تكرّرت جاز أن يعطف بعضها على بعض بالواو ، وإن كان الموصوف بها واحدا ، ودخول

--> ( 1 ) البيت من معلقة زهير انظر شرح المعلقات للشنقيطي ( 81 ) ، ديوانه ( 104 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 133 ) ، شرح المعلقات للزوزني ( 78 ) ، وروي عجزه هكذا : . . . * فهي ووادي الرس كاليد في الفم انظر اللسان ( سحر ) والرس : ماء ونخل لين أسد والرسيس حذاءه ومعنى كاليد للفم أي لا يجاوزن هذا الوادي أي لا يخطئنه كما لا تجاوز اليد للفم . ( 2 ) البيت لامرىء القيس ( 69 ) ، اللسان ( سحر ) . يعل : يسقى بالمدام مرة بعد مرة ، طرب الطائر : رفع صوته وصاح ، ويريد بالطائر هنا الديك ، المسحّر : المؤذن في السحر ويروى ( إذا طرب ) بدل ( إذا غرد ) وهي رواية الديوان . ( 3 ) انظر البحر 2 / 398 . ( 4 ) قال ابن منظور : السّحر : الرئة ، أي مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سحرها منه . اللسان : سحر 1954 .