أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

372

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1597 - فظلّوا ومنهم دمعه سابق له * وآخر يثني دمعة العين باليد « 1 » قال : « تقديره : « ومنهم من دمعه سابق له » . والبصريون لا يجيزون حذف الموصول لأنه جزء كلمة ، وهذا عندهم مؤول على حذف موصوف كما تقدم ، وتأويلهم أولى لعطف النكرة عليه وهو « آخر » ، و « أخرى » في البيت قبله ، فيكون في ذلك دلالة على المحذوف ، والتقدير : فمنهم عاشق سابق دمعه له وآخر . الثالث : أنّ « من الذين » خبر مبتدإ محذوف أي : هم الذين هادوا . و « يُحَرِّفُونَ » على هذا حال من ضمير « هادُوا » . وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الكلام قد تمّ عند قوله « نَصِيراً » . : أن يكون « مِنَ الَّذِينَ » حالا من فاعل « يُرِيدُونَ » قاله أبو البقاء ، ومنع أن يكون حالا من الضمير في « أُوتُوا » ومن « الَّذِينَ » أعني في قوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا » قال : « لأنّ الحال لا تكون لشيء واحد إلا بعطف بعضها على بعض » . قلت : وهذه مسألة خلاف ، من النحويين من منع ، ومنهم من جوّز وهو الصحيح . الخامس : أنّ « مِنَ الَّذِينَ » بيان للموصول في قوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا » لأنهم يهود ونصارى فبيّنهم باليهود ، قاله الزمخشري ، وفيه نظر من حيث إنه قد فصل بينهما بثلاث جمل وهي : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ » إلى آخره ، وإذا كان الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما بالك بثلاث ! ! قاله الشيخ « 2 » ، وفيه نظر فإنّ الجمل هنا متعاطفة ، والعطف يصيّر الشيئين شيئا واحدا . السادس : أنه بيان لأعدائكم ، وما بينهما اعتراض أيضا وقد عرف ما فيه . السابع : أنه متعلّق ب « نَصِيراً » ، وهذه المادة تتعدّى ب « من » . قال تعالى : وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ « 3 » فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ « 4 » على أحد تأويلين : إمّا على تضمين النصر معنى المنع أي : منعناه من القوم ، وكذلك : وكفى باللّه مانعا بنصره من الذين هادوا ، وإمّا على جعل « من » بمعنى « على » والأول مذهب البصريين . فإذا جعلنا « مِنَ الَّذِينَ » بيانا لما قبله فبم يتعلّق ؟ ؟ والظاهر أنه يتعلق بمحذوف ، ويدلّ على ذلك أنهم قالوا في « سقيا لك » : إنّ « لك » متعلق بمحذوف لأنه بيان . وقال أبو البقاء : « وقيل : هو حال من « أعدائكم » أي : واللّه أعلم بأعدائكم كائنين من الذين هادوا ، والفصل بينهما مسدّد فلم يمنع من الحال » . فقوله هذا يعطي أنه بيان لأعدائكم مع إعرابه له حالا فيتعلّق بمحذوف ، لكن لا على ذلك الحذف المقصود في البيان . وقد ظهر ممّا تقدّم أنّ « يُحَرِّفُونَ » : إمّا لا محلّ له ، أوله محلّ رفع أو نصب على حسب ما تقدم . وقرأ أبو رجاء والنخعي : « الكلام » وقرىء « الكليم » بكسر الكاف وسكون اللام جمع « كلمة » مخففة من كلمة ، ومعانيها متقاربة . و عَنْ مَواضِعِهِ متعلّق ب « يُحَرِّفُونَ » ، وذكّر الضمير في « مواضعه » حملا على « الكلم » لأنها جنس .

--> ( 1 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 1 / 141 ) ، البحر ( 3 / 262 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 262 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 77 ) . ( 4 ) سورة غافر ، آية ( 29 ) .