أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
369
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1593 - فما زلنا على السّكر * نداوي السّكر بالسّكر « 1 » والحاصل : أنّ أصل المادة الدلالة على الانسداد ، ومنه « سكرت عين البازي » إذا خالطها نوم ، و « سكر النهر » إذا لم يجر ، وسكرته أنا . قوله : حَتَّى تَعْلَمُوا « حَتَّى » جارة بمعنى « إلى » ، فهي متعلقة بفعل النهي ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ، وتقدّم تحقيقه . و « ما » يجوز فيها ثلاثة أوجه : أن تكون بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، والعائد على هذين القولين محذوف أي : يقولونه ، أو مصدرية فلا حذف إلا على رأي ابن السراج ومن تبعه . قوله : وَلا جُنُباً نصب على أنه معطوف على الحال قبله ، وهو قوله « وَأَنْتُمْ سُكارى » ، عطف المفرد على الجملة لمّا كانت في تأويله ، وأعاد معها « لا » تنبيها على أنّ النهي عن قربان الصلاة مع كل واحدة من هذين الحالين على انفرادهما ، فالنهي عنها مع اجتماع الحالتين آكد وأولى . والجنب : مشتق من الجنابة وهي البعد قال : 1594 - فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة * فإنّي امرؤ وسط القباب غريب « 2 » وسمّي الرجل جنبا لبعده عن الطهارة ، أو لأنه ضاجع بجنبه ومسّ به ، والمشهور أنه يستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ، ومنه الآية الكريمة . قال الزمخشري : « لجريانه مجرى المصدر الذي هو الإجناب » ومن العرب من يثنّيه فيقول : « جنبان » ويجمعه سلامة فيقول : « جنبون » وتكسيرا فيقول : « أجناب » ، ومثله في ذلك : « شلل » وتقدّم تحقيق ذلك . قوله : إِلَّا عابِرِي فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الحال ، فهو استثناء مفرغ ، والعامل فيها فعل النهي ، والتقدير : لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة ، إلا في حال السفر أو عبور المسجد ، على حسب القولين . وقال الزمخشري : « إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ » استثناء من عامة أحوال المخاطبين ، وانتصابه على الحال . فإن قلت : كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها ؟ قلت : كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي حال السفر ، وعبور السبيل عبارة عنه » . والثاني : أنه منصوب على أنه صفة لقوله : « جُنُباً » وصفه ب « إلا » بمعنى « غير » فظهر الإعراب فيما بعدها ، وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 3 » كأنه قيل : لا تقربوها جنبا غير عابري سبيل أي : جنبا مقيمين غير معذورين ، وهذا معنى واضح على تفسير العبور بالسفر . وأمّا من قدّر مواضع الصلاة فالمعنى عنده : لا تقربوا المساجد جنبا إلا مجتازين لكونه لا ممرّ سواه ، أو غير ذلك بحسب الخلاف . والعبور : الجواز ، ومنه : « ناقة عبر الهواجر » قال :
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 3 / 250 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 22 ) .