أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
366
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أظهرها : أنها في محل جر عطفا على « جِئْنا » الأولى أي : فكيف تصنعون في وقت المجيئين ؟ والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال ، و « قد » مرادة معها ، والعامل فيها « جِئْنا » الأولى أي : جئنا من كل أمة بشهيد وقد جئنا ، وفيه نظر . والثالث : أنها مستأنفة فلا محل لها . قال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مستأنفا ، ويكون الماضي بمعنى المستقبل » . انتهى . وإنما احتاج إلى ذلك لأنّ المجيء بعد لم يقع ، فادّعى ذلك ، واللّه أعلم . و « عَلى هؤُلاءِ » متعلق ب « شَهِيداً » و « على » على بابها وقيل : هي بمعنى اللام وفيه بعد ، وأجيز أن تكون « على » متعلقة بمحذوف على أنها حال من شَهِيداً » وفيه بعد ، و « شَهِيداً » حال من الكاف في « بِكَ » . قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه معمول ل « يَوَدُّ » أي : يودّ الذين كفروا يوم إذ جئنا . والثاني : أنه معمول ل « شَهِيداً » قاله أبو البقاء ، قال : « وعلى هذا يكون « يَوَدُّ » صفة ل « يوم » ، والعائد محذوف تقديره : فيه ، وقد ذكر ذلك في قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي « 1 » وفيما قاله نظر لا يخفى . والثالث : أن « يوم » مبني لإضافته إلى « إذ » قاله الحوفي ، قال : « لأنّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤه معه ، و « إذ » هنا اسم ؛ لأنّ الظروف إذا أضيف إليها خرجت إلى معنى الاسمية من أجل تخصيص المضاف إليها ، كما تخصّص الأسماء ، مع استحقاقها الجر ، والجرّ ليس من علامات الظروف » . والتنوين في « إذ » تنوين عوض على الصحيح ، فقيل : عوض من الجملة الأولى في قوله « جِئْنا مِنْ كُلِّ » أي : يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، والرسول على هذا اسم جنس . وقيل : عوض من الجملة الأخيرة ، وهي « وَجِئْنا بِكَ » ، ويكون المراد بالرسول محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان النظم « وعصوك » ولكن أبرز ظاهرا بصفة الرسالة تنويها بقدره وشرفه . وفي قوله : وَعَصَوُا ثلاثة أوجه : أحدها : أنها جملة معطوفة على « كَفَرُوا » فتكون صلة ، فيكونون جامعين بين كفر ومعصية . وقيل : بل هي صلة لموصول آخر فيكونون طائفتين . وقيل : هي في محل نصب على الحال من « كَفَرُوا » و « قد » مرادة أي : وقد عصوا . وقرأ يحيى وأبو السمّال : « وَعَصَوُا الرَّسُولَ » بكسر الواو على الأصل . قوله : لَوْ تُسَوَّى إن قيل : إنّ « لو » على بابها كما هو قول الجمهور فمفعول « يَوَدُّ » محذوف أي : يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم ، ويدلّ عليه : « لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ » وجوابها حينئذ محذوف أي : لسرّوا بذلك . وإن قيل : إنها مصدرية كانت هي وما بعدها في محل مفعول « يَوَدُّ » ولا جواب لها حينئذ ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ « 2 » . قال أبو البقاء . وَعَصَوُا الرَّسُولَ » . في موضع الحال ، و « قد » مرادة ، وهي معترضة بين « يَوَدُّ » وبين مفعولها
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 48 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 96 ) .