أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
355
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه اسم مكان الدخول ، وفي نصبه حينئذ احتمالان : أحدهما : أنه منصوب على الظرف ، وهو مذهب سيبويه . والثاني : أنه مفعول به وهو مذهب الأخفش . وهكذا كلّ مكان مختص بعد « دخل » فإن فيه هذين المذهبين . وهذه القراءة واضحة ؛ لأنّ اسم المصدر والمكان جاريان على فعليهما . وأمّا قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل ، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو الثلاثي ، والفعل السابق لهذا - كما رأيت - رباعي ، فقيل : إنه منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل ، والتقدير : يدخلكم فتدخلون مدخلا ، و « مُدْخَلًا » منصوب على ما تقدم : إمّا المصدرية وإمّا المكانية بوجهيها . وقيل : هو مصدر على حذف الزوائد نحو : « أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً » « 1 » على أحد القولين . و ما في قوله تعالى : ما فَضَّلَ اللَّهُ : موصولة أو نكرة موصوفة ، والعائد الهاء في « بِهِ » . و « بَعْضَكُمْ » مفعول ب « فَضَّلَ » و « عَلى بَعْضٍ » متعلق به . قوله : وَسْئَلُوا الجمهور على إثبات الهمزة في الأمر من السؤال الموجّه نحو المخاطب إذا تقدّمه واو أو فاء نحو : فَسْئَلِ الَّذِينَ « 2 » وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ « 3 » . وابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين تخفيفا لكثرة استعماله . فإن لم تتقدّمه واو ولا فاء فالكل على النقل نحو : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ « 4 » ، وإن كان لغائب فالكل على الهمز نحو : وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا « 5 » . ووهم ابن عطية فنقل اتفاق القراء على الهمز في نحو : وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ « 6 » وليس اتفاقهم في هذا بل في وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا كما تقدم . وتخفيف الهمز لغة الحجاز ، ويحتمل أن يكون ذلك من لغة من يقول : : « سال يسال » بألف محضة ، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة عند سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ فعليك بالالتفات إليه ، وهذا إنما يتأتّى في « سل » و « فسل » وأما « وسلوا » فلا يتأتّى فيه ذلك ؛ لأنه كان ينبغي أن يقال : سألوا كخافوا ، وقد يقال : إنه التزم الحذف لكثرة الدّور . وهو يتعدّى لاثنين ، والجلالة مفعول أول ، وفي الثاني قولان : أحدهما : أنه محذوف فقدّره ابن عطية : « أمانيّكم » ، وقدره غيره : شيئا من فضله ، فحذف الموصوف وأبقى صفته نحو : « أطعمته من اللحم » أي : شيئا منه ، و « من » تبعيضية . والثاني : أن « من » زائدة ، والتقدير : « واسألوا اللّه فضله » ، وهذا إنما يتمشّى على رأي الأخفش لفقدان الشرطين ، وهما تنكير المجرور وكون الكلام غير موجب . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 33 ] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 )
--> ( 1 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) . ( 2 ) سورة يونس ، آية ( 94 ) . ( 3 ) سورة النساء آية ( 32 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 211 ) . ( 5 ) سورة الممتحنة ، آية ( 10 ) . ( 6 ) الآية المتقدمة .