أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

345

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1577 - وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلال لمن يبني بها لم تطلّق « 1 » يعني : أنّ مجرد سبائها أحلّها بعد الاستبراء . وإن أريد به الإسلام أو العفة بالمعنى : أنّ المسلمات أو العفيفات حرام كلهن ، يعني فلا يزنى بهن إلا ما ملك منهن بتزويج أو ملك يمين ، فيكون المراد ب « ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ » التسلّط عليهن وهو قدر مشترك ، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متصلا . وإن أريد به الحرائر فالمراد إلا ما ملكت بملك اليمين ، وعلى هذا فالاستثناء منقطع . وقوله : مِنَ النِّساءِ في محلّ نصب على الحال كنظيره المتقدم . وقال مكي : « فائدة قوله « مِنَ النِّساءِ » أنّ المحصنات تقع على الأنفس ، فقوله « مِنَ النِّساءِ » يرفع ذلك الاحتمال ، والدليل على أنه يراد بالمحصنات الأنفس قوله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ « 2 » فلو أريد به النساء خاصة لما حدّ من قذف رجلا بنص القرآن ، وقد أجمعوا على أنّ حدّه بهذا النصّ » . انتهى . وهذا كلام عجيب لأنه بعد تسليم ما قاله في آية النور كيف يتوهّم ذلك هنا أحد من الناس ؟ قوله : كِتابَ اللَّهِ في نصبه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه منصوب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة قبله وهي قوله : « حرّمت » ، ونصبه بفعل مقدر أي : كتب اللّه عليكم كتابا . وأبعد عبيدة « 3 » السلماني في جعله هذا المصدر مؤكدا لمضمون الجملة من قوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ « 4 » . الثاني : أنه منصوب على الإغراء ب « عَلَيْكُمْ » والتقدير : عليكم كتاب اللّه أي : الزموه كقوله : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ « 5 » ، وهذا رأي الكسائي ومن تابعه ، أجازوا تقديم المنصوب في باب الإغراء مستدلّين بهذه الآية ، وبقول الآخر : 1578 - يا أيّها المائح دلوي دونكا * إنّي رأيت النّاس يحمدونكا « 6 » ف « دلوي » منصوب ب « دونك » وقد تقدّم . والبصريون يمنعون ذلك ، قالوا : لأنّ العامل ضعيف ، وتأوّلوا الآية على ما تقدم ، والبيت على أن « دلوي » منصوب ب « المائح » أي : الذي ماح دلوي . والثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : الزموا كتاب اللّه ، وهذا قريب من الإغراء . وقال أبو البقاء في هذا الوجه : « تقديره : الزموا كتاب اللّه » و « عَلَيْكُمْ » إغراء ، يعني أن مفعوله قد حذف للدلالة ب « كِتابَ اللَّهِ » عليه ، أي : عليكم ذلك ، فيكون أكثر تأكيدا . وأمّا « عَلَيْكُمْ » فقال أبو البقاء : إنها على القول بأن « كتاب » مصدر يتعلق بذلك الفعل المقدر الناصب ل « كتاب » ولا يتعلّق بالمصدر » قال : ضلأنه هنا فضلة » . قال : « وقيل : يتعلّق بنفس المصدر لأنه ناب عن الفعل ، حيث لم يذكر معه فهو كقولك : مرورا بزيد قلت : وأمّا على القول بأنه إغراء فلا محلّ له لأنه واقع موقع فعل الأمر ، وأمّا على القول بأنه منصوب بإضمار فعل أي : الزموا ف « عليكم » متعلّق بنفس « كتاب » أو بمحذوف على أنه حال منه .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 4 ) . ( 3 ) عبيدة بن عمرو أبو مسلم الكوفي التابعي توفي سنة اثنين وسبعين انظر غاية النهاية 1 / 498 . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 3 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 105 ) . ( 6 ) البيت لجارية بن مازن . انظر الإنصاف ( 228 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 121 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 117 ) ، الدرر ( 2 / 138 ) ، الشذوذ ( 407 ) .