أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
330
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا « 1 » أي : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ويكون قوله « فَاسْتَشْهِدُوا » و « فَاجْلِدُوا » دالا على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له . والقول الثاني : أنّ محلّه نصب ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب بفعل مقدر لدلالة السياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره ، والتقدير : اقصدوا اللاتي يأتين ، أو تعمّدوا . ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسّره قول « فَاسْتَشْهِدُوا » فتكون المسألة من باب الاشتغال ، لأنّ هذا الموصول أشبه اسم الشرط كما تقدّم تقريره ، واسم الشرط لا يجوز أن ينتصب على الاشتغال لأنه لا يعمل فيه ما قبله ، فلو نصبناه بفعل مقدر لزم أن يعمل فيه ما قبله . هذا ما قاله بعضهم ، ويقرب منه ما قاله أبو البقاء فإنه قال : « وإذا كان كذلك - أي كونه في حكم الشرط - لم يحسن النصب ؛ لأنّ تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز ، وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله « فَاسْتَشْهِدُوا » لأنّ « استشهدوا » لا يصحّ أن يعمل النصب في « اللَّاتِي » وفي عبارته مناقشة يطول بذكرها الكتاب . والثاني : أنه منصوب على الاشتغال ، ومنعهم ذلك بأنه يلزم أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنّا نقدّر الفعل بعده لا قبله ، وهذا خلاف مشهور في أسماء الشرط والاستفهام : هل يجري فيها الاشتغال أم لا ؟ فمنعه قوم لما تقدّم ، وأجازه آخرون مقدّرين الفعل بعد الشرط والاستفهام ، وكونه منصوبا على الاشتغال هو ظاهر كلام مكي فإنه ذكر ذلك في قوله : وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما « 2 » والآيتان من واد واحد ، ولا بدّ من إيراد نصّه ليتّضح لك قوله ، قال - رحمه اللّه - « واللذان يأتيانها » الاختيار عند سيبويه في « اللذان » الرفع ، وإن كان معنى الكلام الأمر ، لأنه لمّا وصل بالفعل تمكّن معنى الشرط فيه إذ لا يقع على شيء بعينه ، فلمّا تمكّن معنى الشرط والإبهام جرى مجرى الشرط في كونه لم يعمل فيه ما قبله كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مضمر أو مظهر » . ثم قال : « والنصب جائز على إضمار فعل لأنه إنما أشبه الشرط ، وليس الشبيه بالشيء كالشئ في حكمه » . انتهى . وليس لقائل أن يقول : مراده النصب بإضمار فعل النصب لا على الاشتغال ، بل بفعل مدلول عليه ، كما تقدم نقله عن بعضهم ؛ لأنه لم يكن لتعليله بقوله : « لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره » فائدة إذ النصب كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار . وقوله : مِنْ نِسائِكُمْ في محلّ نصب على الحال من الفاعل في « يَأْتِينَ » ، فيتعلّق بمحذوف أي : يأتين كائنات من نسائكم . وأما قوله : « مِنْكُمْ » ففيه وجهان ، أحدهما : أن يتعلق بقوله : « فَاسْتَشْهِدُوا » . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « أَرْبَعَةً » ، فيكون في محل نصب تقديره : فاستشهدوا عليهنّ أربعة كائنة منكم . قوله : حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ ، « حَتَّى » بمعنى إلى ، فالفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وهي متعلقة بقوله : « فَأَمْسِكُوهُنَّ » غاية له . وقوله : « أَوْ يَجْعَلَ » فيه وجهان : أحدهما : أن تكون « أَوْ » عاطفة فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا ، فينتصب « يَجْعَلَ » بالعطف على « يَتَوَفَّاهُنَّ » . والثاني : أن تكون « أَوْ » بمعنى « إلا » كالتي في قولهم « لألزمنّك أو تقتضيني حقي » على أحد المعنيين ، والفعل بعدها منصوب أيضا بإضمار « أن » كقوله :
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 38 ) . ( 2 ) سورة النساء ، آية ( 16 ) .