أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

319

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ : هذه جملة من مبتدأ وخبر ، يحتمل أن تكون في محلّ نصب ب « يوصي » لأنّ المعنى : يفرض لكم ، أو يشرّع في أولادكم ، كذا قاله أبو البقاء ، وهذا يقرب من مذهب الفراء فإنه يجري ما كان بمعنى القول مجراه في حكاية الجمل بعده . قال الفراء : « لم يعمل « يُوصِيكُمُ » في « مِثْلُ » ، إجراء له مجرى القول في حكاية الجمل ، فالجملة في موضع نصب ب « يُوصِيكُمُ » . وقال مكي : « لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ » ابتداء وخبر في موضع نصب ، تبيين للوصية وتفسير لها . وقال الكسائي : « ارتفع « مثل » على حذف « أنّ » تقديره : « أنّ للذكر مثل حظ » ، وبه قرأ ابن أبي عبلة . ويحتمل ألّا يكون لها محلّ من الإعراب ، بل جيء بها للبيان والتفسير ، فهي جملة مفسّرة للوصية ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين ، وهو ظاهر عبارة الزمخشري فإنّه قال : « وهذا إجمال تفصيله « لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ » . وقوله : « لِلذَّكَرِ » لا بدّ من ضمير فيه يعود على « أَوْلادِكُمْ » من هذه الجملة ، فيحتمل أن يكون محذوفا ، أي : للذكر منهم نحو : « السّمن منوان بدرهم » قاله الزمخشري . ويحتمل أن يكون قام مقامه الألف واللام عند من يرى ذلك ، والأصل : لذكرهم . و « مِثْلُ » صفة لموصوف محذوف أي : للذّكر منهم حظّ مثل حظّ الأنثيين . و « فِي أَوْلادِكُمْ » قيل : ثمّ مضاف محذوف ، أي : في أولاد موتاكم . قالوا : لأنه لا يجوز أن يخاطب الحيّ بقسمة الميراث في أولاده ويفرض عليه ذلك . وقال بعضهم : « إن قلنا : إنّ معنى « يُوصِيكُمُ » « يبيّن لكم » لم يحتج إلى هذا التقدير » . وقدّر بعضهم قبل « أَوْلادِكُمْ » مضافا أي : في شأن أولادكم ، أو في أمر أولادكم . وقرأ الحسن وابن أبي عبلة : « يوصّيكم » بالتشديد ، وقد تقدّم أنّ أوصى ووصّى لغتان . قوله : فَإِنْ كُنَّ نِساءً الضمير في « كُنَّ » يعود على الإناث اللاتي شملهنّ قوله « فِي أَوْلادِكُمْ » . فإنّ التقدير : في أولادكم الذكور والإناث ، فعاد الضمير على أحد قسمي الأولاد ، وإذا عاد الضمير على جمع التكسير العاقل المراد به محض الذكور في قوله عليه السّلام : « وربّ الشياطين ومن أضللن » « 1 » لعوده على جماعة الإناث ، فلأن يعود كذلك على جمع التكسير الشامل للإناث بطريق الأولى والأحرى ، هذا معنى قول الشيخ « 2 » . وفيه نظر لأنّ عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقود هنا ، وهو طلب المشاكلة لأنّ قبله : « اللهم ربّ السماوات ومن أظللن ، وربّ الأرضين وما أقللن » ذكر ذلك النحويون . وقيل : الضمير يعود على المتروكات أي : فإن كانت المتروكات ، ودلّ ذكر الأولاد عليه ، قاله أبو البقاء ومكي . وقدّره الزمخشري : « فإن كان البنات أو المولودات » . فإذا تقرّر هذا ف « كُنَّ » كان واسمها ، و نِساءً » خبرها ، و « فَوْقَ اثْنَتَيْنِ » ظرف في محل نصب صفة ل « نِساءً » وبهذه الصفة تحصل فائدة الخبر ، ولو اقتصر عليه لم تحصل فائدة ، ألا ترى أنه لو قيل : « إن كان الزيدون رجالا كان كذا » لم يكن فيه فائدة . وأجاز الزمخشري في هذه الآية وجهين غريبين : أحدهما : أن يكون الضمير في « كُنَّ » ضميرا مبهما ، و « نِساءً » منصوب على أنه تفسير له يعني تمييزا ، وكذلك قال

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 5 / 503 ، كتاب الدعوات ( 3523 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 181 ) .