أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

309

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ولم يستعمل « مَرِيئاً » إلا تابعا ل « هَنِيئاً » . ونقل بعضهم أنه قد يجيء غير تابع ، وهو مردود ، لأنّ العرب لم تستعمله إلا تابعا . وهل « هَنِيئاً مَرِيئاً » في الأصل اسما فاعل على زنة المبالغة أم هما مصدران جاءا على وزن فعيل كالصهيل والهدير ؟ خلاف . نقل الشيخ « 1 » القول الثاني عن أبي البقاء قال : « وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فعيل كالصهيل والهدير ، وليسا من باب ما يطّرد فيه فعيل في المصدر » . انتهى . وأبو البقاء في عبارته إشكال فلا بد من التعرض إليها ليعرف ما فيها ، قال : « هنيئا جاء على وزن فعيل ، وهو نعت لمصدر محذوف أي : أكلا هنيئا ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال من الهاء ، والتقدير : مهنّأ و « مَرِيئاً » مثله ، والمريء فعيل بمعنى مفعل ، لأنك تقول : « أمرأني الشيء » . ووجه الإشكال : أنه بعد الحكم عليهما بالمصدرية كيف يجعلهما وصفين لمصدر محذوف ، وكيف يفسّر « مَرِيئاً » المصدر بمعنى اسم الفاعل ؟ وذهب الزمخشري إلى أنهما وصفان ، قال : « الهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه » . انتهى . وهنا يهنا - بغير همز - لغة ثانية أيضا . ويقال : هنأني الطعام ومرأني ، فإن أفردت « مرأني » لم يستعمل إلا رباعيا فتقول : « أمرأني » وإنما استعمل ثلاثيا للتشاكل مع « هنأني » ، وهذا كما قالوا : « أخذه ما قدم وما حدث » بضم دال « حدث » مشاكلة ل « قدم » ، ولو أفرد لم يستعمل إلا مفتوح الدال ، وله نظائر أخر . ويقال : هنأت الرجل أهنئه بكسر العين في المضارع أي : أعطيته . واشتقاق الهنيء من الهناء وهو ما يطلى به البعير من الجرب ، قال : 1550 - متبذّلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النّقب « 2 » والمريء : ما ساغ وسهل في الحلق ، ومنه قيل لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : مريء . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 5 ] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 5 ) قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ : أصل تؤتوا : تؤتيوا مثل : تكرموا ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان : الياء وواو الضمير ، فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان . والسّفهاء جمع سفيه ، وعن مجاهد : « المراد بالسفهاء النساء » ، وضعّفه بعضهم بأن فعيلة إنما تجمع على فعائل أو فعيلات ، قاله ابن عطية . وقد نقل بعضهم أنّ سفيهة تجمع على سفهاء كالمذكر ، وعلى هذا لا يضعف قول مجاهد ، وجمع فعيلة الصفة على فعلاء وإن كان نادرا إلا أنه قد نقل في هذا اللفظ خصوصا ، وتخصيص ابن عطية جمع فعيلة بفعائل أو فعيلات ليس بظاهر ، لأنها يطّرد فيها أيضا « فعال » نحو : كريمة وكرام وظريفة وظراف ، وكذلك إطلاقه فعيلة وكان من حقه أن يقيّدها بألّا تكون بمعنى مفعولة تحرّزا من قتيلة فإنها لا تجمع على فعائل . والجمهور على « الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ » بلفظ الإفراد صفة للأموال ، وإن كانت جمعا ؛ لأنّه تقدّم غير مرة أنّ جمع ما

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 168 ) . ( 2 ) البيت لدريد بن الصمة الطبري ( 7 / 559 ) ، الأغاني ( 10 / 22 ) ، اللسان « نقب » .