أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

30

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ ابن عباس وطلحة « ترونهم » مبنيا للمفعول على الخطاب . والسلمي كذلك ، إلا أنه بالغيبة . وهما واضحتان مما تقدّم تقريره ، والفاعل المحذوف هو اللّه تعالى . وللناس في الرؤية هنا رأيان ، أحدهما : أنها البصرية ، ويؤيد ذلك تأكيده بالمصدر الذي هو نصّ في ذلك . فهو مصدر مؤكّد . قال الزمخشري : « رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها » وعلى هذا فتتعدى لواحد . و « مِثْلَيْهِمْ » نصب على الحال . والثاني : أنها من رؤية القلب ، فعلى هذا يكون « مِثْلَيْهِمْ » مفعولا ثانيا . وقد ردّ أبو البقاء هذا فقال : « ولا يجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب على كلّ الأقوال لوجهين : أحدهما : قوله « رَأْيَ الْعَيْنِ » . والثاني : أن رؤية القلب علم ، ومحال أن يعلم الشيء شيئين » . وقد أجيب عن الوجه الأول بأنّ انتصابه انتصاب المصدر التشبيهي أي : رأيا مثل رأي العين ، أي يشبه رأي العين ، فليس إياه على التحقيق . وعن الثاني بأنّ الرؤية هنا يراد بها الاعتقاد ، فلا يلزم المحال المذكور ، قال : « وإذا كانوا قد أطلقوا العلم في اللغة على الاعتقاد دون اليقين فلأن يطلقوا عليه الرأي أولى » . ومن إطلاق العلم على الاعتقاد قوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ « 1 » إذ لا سبيل إلى العلم اليقيني في ذلك ، إذ لا يعلمه كذلك إلا اللّه تعالى ، فالمعنى : فإن اعتقدتموهن ، والاعتقاد قد يكون صحيحا ، وقد يكون فاسدا ، ويدلّ على هذا التأويل قراءة من قرأ : « ترونهم » أو « يَرَوْنَهُمْ » بالتاء أو الياء مبنيا للمفعول ؛ لأن قولهم « أري كذا » بضمّ الهمزة يكون فيما عند المتكلم فيه شكّ وتخمين لا يقين وعلم ، ولمّا كان اعتقاد التضعيف في جمع المؤمنين تخمينا وظنا لا يقينا دخل الكلام ضرب من الشك ، وأيضا كما يستحيل حمل الرؤية هنا على العلم يستحيل أيضا حملها على رؤية البصر بعين ما ذكرتم من المحال ، وذلك كما أنه لا يقع العلم غير مطابق للمعلوم كذلك لا يقع النظر البصريّ غير مطابق لذلك الشيء المبصر المنظور إليه ، فكان المراد التخمين والظّنّ لا اليقين والعلم . كذا قيل ، وفيه نظر لأنا لا نسلّم أنّ البصر لا يخالف المبصر ، لجواز أن يحصل خلل فيه وسوء في النظر فيتخيل الباصر الشيء شيئين فأكثر وبالعكس . وفي انتصاب « رَأْيَ الْعَيْنِ » ثلاثة أوجه تقدّم منها اثنان : النصب على المصدر التوكيدي أو النصب على المصدر التشبيهي كما عرفت تحقيقه . والثالث : أنه منصوب على ظرف المكان ، قال الواحدي : « كما تقول : « ترونهم أمامكم » ومثله : « هو مني مزجر الكلب ومناط العيّوق » ! وهذا إخراج للفظ عن موضوعه مع عدم المساعد معنى وصناعة . و « رَأْيَ » مشترك بين « رَأْيَ » بمعنى أبصر ، ومصدره الرّأي والرؤية ، وبمعنى اعتقد وله الرأي ، وبمعنى الحلم وله الرؤيا كالدنيا ، فوقع الفرق بالمصدر ، فالرؤية للبصر خاصة ، والرؤيا للحلم فقط ، والرأي مشترك بين البصرية والاعتقادية يقال : هذا رأي فلان أي : اعتقاده ، قال : 1197 - رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه * خوارج ترّاكين قصد المخارج « 2 »

--> ( 1 ) سورة الممتحنة ، آية ( 10 ) . ( 2 ) لم نهتد لقائله انظر الهمع 1 / 150 ، 2 / 97 ، الدرر اللوامع 1 / 133 .