أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
291
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : مَتاعٌ : خبر مبتدإ محذوف دلّ عليه الكلام تقديره : تقلّبهم أو تصرّفهم متاع قليل ، والمخصوص بالذمّ محذوف أي : ولبئس المهاد جهنم . قوله تعالى : لكِنِ الَّذِينَ : قرأ الجمهور بتخفيفها ، وأبو جعفر بتشديدها ، فعلى القراءة الأولى : الموصول رفع بالابتداء ، وعند يونس يجوز إعمال المخففة ، وعلى الثانية في محل نصب . ووقعت « لكِنِ » هنا أحسن موقع ، فإنّها وقعت بين ضدين : وذلك أن معنى الجملتين التي قبلها والتي بعدها آيل إلى تعذيب الكفار وتنعيم المتقين ، ووجه الاستدراك أنّه لمّا وصف الكفار بقلة نفع تقلّبهم في التجارة وتصرّفهم في البلاد لأجلها جاز أن يتوهّم متوهّم أن التجارة من حيث هي متصفة بذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يضرّهم ذلك وأنّ لهم ما وعدهم به . قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذه الجملة أجاز مكي فيها وجهين : أحدهما : الرفع على النعت ل « جَنَّاتٌ » . والثاني : النصب على الحال من الضمير المستكنّ في « لَهُمْ » قال : « وإن شئت في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في « لَهُمْ » ؛ إذ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إن رفعت « جَنَّاتٌ » بالابتداء ، فإن رفعتها بالاستقرار لم يكن في « لَهُمْ » ضمير مرفوع إذ هو كالفعل المتقدم » . يعني أن « جَنَّاتٌ » يجوز رفعها من وجهين : أحدهما : الابتداء والجارّ قبلها خبرها ، والجملة خبر « الَّذِينَ اتَّقَوْا » . والثاني : بالفاعلية لأنّ الجارّ قبلها اعتمد بكونه خبرا للذين اتقوا ، وقد تقدّم أنّ هذا أولى لقربه من المفرد ، فإن جعلنا رفعها بالابتداء جاز في « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » . وجهان : الرفع على النعت والنصب على الحال من الضمير المرفوع في « لَهُمْ » لتحمّله حينئذ ضميرا ، وإن جعلنا رفعها بالفاعلية تعيّن أن تكون الجملة بعدها في موضع رفع نعتا لها ، ولا يجوز النصب على الحال ؛ لأنّ « لَهُمْ » ليس فيه حينئذ ضمير لرفعه الظاهر . و « خالِدِينَ » نصب على الحال من الضمير في « لَهُمْ » ، والعامل فيه معنى الاستقرار . قوله : نُزُلًا النّزل : ما يهيأ للنزيل وهو الضيف . قال أبو الشعراء الضبي : 1528 - وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا « 1 » هذا أصله ثم اتّسع فيه فأطلق على الرزق والغذاء ، وإن لم يكن لضيف ، ومنه : فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ « 2 » وفيه قولان : هل هو مصدر أو جمع نازل ، نحو قول الأعشى : 1529 - . . . * أو تنزلون فإنّا معشر نزل « 3 » إذا عرفت هذا ففي نصبه ستة أوجه :
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 3 / 147 ) . ( 2 ) سورة الواقعة ، آية ( 93 ) . ( 3 ) عجز بيت وصدره : قالوا الركوب فقلنا : تلك عادتنا * . . . انظر ديوانه ( 113 ) وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 429 ) ، المحتسب ( 1 / 195 ) ، إعراب النحاس 1 / 631 ، الهمع ( 2 / 60 ) ، الدرر ( 2 / 76 ) ، المغني 2 / 693 ، الخزانة 8 / 552 ، الصاحبي ( 470 ) .