أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
277
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1510 - فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا « 1 » بنصب الجلالة ، وقراءة من قرأ : « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ » بحذف التنوين من « أَحَدٌ » لإلتقاء الساكنين . ونقل أبو البقاء فيها قراءة غريبة وتخريجا غريبا قال : « ويقرأ أيضا شاذا : « ذائِقَةُ الْمَوْتِ » على جعل الهاء ضمير « كُلُّ » على اللفظ ، وهو مبتدأ أو خبر » . انتهى . وإذا صحّت هذه قراءة فيكون « كُلُّ » مبتدأ ، و « ذائِقَةُ » خبر مقدم ، و « الْمَوْتِ » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر « كُلُّ » ، وأضيف « ذائق » إلى ضمير « كُلُّ » باعتبار لفظها ، ويكون هذا من باب القلب في الكلام ؛ لأنّ النفس هي التي تذوق الموت وليس الموت يذوقها ، وهنا جعل الموت هو الذي يذوق النفس قلبا للكلام لفهم المعنى ، كقولهم : « عرضت الناقة على الحوض » ، ومنه : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ « 2 » « وأدخلت القلنسوة في رأسي » . وقوله : 1511 - مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت * نجران أو بلّغت سوءاتهم هجر « 3 » الأصل : عرضت الحوض على الناقة ، ويوم تعرض النار عليهم ، وأدخلت رأسي في القلنسوة ، وبلّغت سوءاتهم هجرا ، فقلب ، وسيأتي خلاف الناس في القلب بأشبع من هذا عند موضعه ، وكان أبو البقاء قد قدّم قبل هذا أنّ التأنيث في « ذائِقَةُ » إنما هو باعتبار معنى « كُلُّ » ، قال : « لأنّ كلّ نفس نفوس ، ولو ذكّر على لفظ « كُلُّ » جاز » ، يعني أنه لو قيل : « كلّ نفس ذائق كذا » جاز ، وقد تقدّم لك أول البقرة أنه يجب اعتبار لفظ ما تضاف إليه « كُلُّ » إذا كان نكرة ، ولا يجوز أن تعتبر « كُلُّ » ، وتحقيق هذه المسألة هناك . قوله : وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ « ما » كافة ل « إنّ » عن العمل وقد تقدّم مثلها . وقال مكي : « ولا يجوز أن تكون « ما » بمعنى الذي لأنه يلزم رفع « أُجُورَكُمْ » ، ولم يقرأ به أحد ؛ لأنّه يصير التقدير : « وإنّ الذي توفّونه أجوركم ، كقولك : « إنّ الذي أكرمتموه عمرو » وأيضا فإنك تفرّق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء » يعني لو كانت « ما » موصولة لكانت اسم « إنّ فيلزم حينئذ رفع « أجوركم » على خبرها كقوله تعالى : إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ « 4 » ، ف « ما » هنا يجوز أن تكون بمعنى الذي أو مصدرية تقديره : إنّ الذي صنعوه أو : إنّ صنعهم ، ولذلك رفع « كيد » خبرا لها . وقوله : « أيضا فإنّك تفرّق » يعني أن « يَوْمَ الْقِيامَةِ » متعلّق ب « تُوَفَّوْنَ » فهو من تمام الصلة ، فلو كانت « مَا » موصولة لفصلت بالخبر الذي هو « أُجُورَكُمْ » بين أبعاض الصلة التي هي الفعل ومعموله ، ولا يخبر عن موصول إلا بعد تمام صلته ، وهذا وإن كان من الواضحات إلا أنّ فيه تنبيها على أصول العلم . وأدغم أبو عمرو الحاء من « زُحْزِحَ » في العين هنا خاصة قالوا : لطول الكلمة وتكرير الحاء ، دون قوله : ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ « 5 » و الْمَسِيحُ عِيسَى « 6 » ونقل عنه الإدغام مطلقا وعدمه مطلقا ، والنحويون يمنعون ذلك ، ولا يجيزونه إلا بعد أن يقلبوا العين حاء ويدغمون الحاء فيها قالوا : « لأنّ الأقوى لا يدغم في الأضعف ، وهذا عكس الإدغام ، لأنّ
--> ( 1 ) البيت لأبي الأسود انظر ديوانه ( 123 ) ، الكتاب 1 / 169 ، ابن يعيش 9 / 234 ، الانصاف ( 2 / 659 ) ، رصف المباني ( 49 ) ، ابن الشجري 1 / 383 ، مجالس ثعلب ( 123 ) ، شواهد المغني ( 933 ) ، معاني الفراء 2 / 202 ، المقتضب 1 / 157 ، الخصائص 1 / 311 ، الخزانة 11 / 374 . استشهد بهذا البيت بقوله « ذاكر » حيث حذف التنوين لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده وإن كان الوجه الإضافة . ( 2 ) سورة الأحقاف ، آية ( 20 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 69 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 3 ) . ( 6 ) سورة آل عمران ، آية ( 45 ) .