أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
269
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بل ليزدادوا إيمانا ، ويروى أنّ بعض الصحابة قرأه كذلك » انتهى . قلت : وفي هذا نظر من حيث إنه جعل « لِيَزْدادُوا » هو المفعول الثاني ، وقد تقدّم أنّ لام « كي » لا تقع خبرا للمبتدأ ولا لنواسخه ، ولأنّ هذا إنما يتمّ له على تقدير فتح الثانية ، وقد تقدّم أن أحدا لم ينقلها إلا الزمخشري عن يحيى ، والذي يقرأ « تحسبن » بتاء الخطاب لا بفتحها البتة . واللام في « لِيَزْدادُوا » فيها وجهان : أحدهما : أنها لام كي . والثانية أنها لام الصيرورة . وقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ في هذه الواو قولان : أحدهما : أنها للعطف . والثاني : أنها للحال . وظاهر قول الزمخشري أنها للحال في قراءة يحيى بن وثاب فقط ، فإنه قال : « فإن قلت : ما معنى هذه القراءة ؟ - يعني على قراءة يحيى التي نقلها هو عنه - قلت : معناه « ولا يحسبنّ أنّ إملاءنا لزيادة الإثم والتعذيب ، والواو للحال ، كأنه قيل : ليزدادوا إثما معدّا لهم عذاب مهين » قال الشيخ « 1 » : - بعد ما ذكر من إنكاره عليه نقل فتح الثانية عن يحيى كما قدمته لك - « ولمّا قرّر في هذه القراءة أنّ المعنى على نهي الكافر أن يحسب أنما يملي اللّه لزيادة الإثم ، وأنه إنما يملي لزيادة الخير كان قوله : « وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » يدفع هذا التفسير ، فخرّج ذلك على أن الواو للحال ليزول هذا التدافع الذي بين هذه القراءة وبين آخر الآية » . وأصل لِيَزْدادُوا : ليزتادوا بالتاء ، لأنه افتعال من الزيادة ولكنّ تاء الافتعال تقلب دالا بعد ثلاثة أحرف : الزاي والذال والدال نحو : ادّكر وادّان . والفعل هنا متعدّ لواحد وكان في الأصل متعديا لاثنين نحو : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً « 2 » ، ولكنه بالافتعال ينقص أبدا مفعولا ، فإن كان الفعل قبل بنائه على افتعل للمطاوعة متعديا لواحد صار قاصرا بعد المطاوعة نحو : « مددت الحبل فامتدّ » ، وإن كان متعديا لاثنين صار بعد الافتعال متعديا لواحد كهذه الآية . وختمت كلّ واحدة من هذه الآيات الثلاث بصفة للعذاب غير ما ختمت به الأخرى لمعنى مناسب ، وهو أنّ الأولى تضمّنت الإخبار عنهم بالمسارعة في الكفر ، والمسارعة في الشيء والمبادرة إلى تحصيله تقتضي جلالته وعظمته ، فجعل جزاؤهم « عذاب عظيم » مقابلة لهم ، ويدلّ ذلك على خساسة ما سارعوا فيه . وأمّا الثانية فتضمّنت اشتراءهم الكفر بالإيمان ، والعادة سرور المشتري واغتباطه بما اشتراه ، فإذا خسر تألم ، فختمت هذه الآية بألم العذاب كما يجد المشتري المغبون ألم خسارته . وأمّا الثالثة فتضمّنت الإملاء وهو الامتناع بالمال وزينة الدنيا ، وذلك يقتضي التعزّز والتكبّر والجبروت فختمت هذه الآية بما يقتضي إهانتهم وذلتهم بعد عزهم وتكبّرهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 179 ] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 ) وقوله تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ : هذه تسمّى لام الجحود ، وينصب بعدها المضارع بإضمار « أن » ولا يجوز
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 124 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 10 ) .